لو قدرنا إلهين لكان ر يخلو: إما أن يصح اخلافهما في الإرادة أو لا يصح محال أن يصح؛ لأنا إذا قدرنا أحدهما منفردا فإنه يصح أن يريد تحريك جسم معين وإذا قدرنا الآخر أيضا منفردا فإنه يصح منه أن يريد تسكين ذلك الجسم في ذلك الوقت وإذا صح ذلك في حالة الانفراد وجب أن يصح حالة الاجتماع إذ ليست تؤثر ذات أحدهما في ذات الآخر ولا صفة من صفاته أثرت في صفات الآخر وإذا بقيا على ما كان عليه حالة الانفراد لزم منه صحة الاختلاف بينهما ولأنه لو امتنع على إحدى الإرادتين أو عليهما جميع التعلق بما يصح تعلقهما به حالة الانفارد لأجل وجود الإرادة الأخرى لزم قيام كل واحدة منن الإرادتين بالأخرى لوجب قيام العلة بمن له الحكم ولزم أيضا قيام المعنى بالمعنى ولأنه يلزم تضاد الإرادتين على محلين وقد بينا أن إرادة الله تعالى قديمة (1) فثبت صحة وقوع الاختلاف بين الإلهين (2) .
فإذا قدرنا أن أحدهما أراد تحريك جسم، واللآخر الواحد ساكنا ذلك الجسم:
فإما أن يحصل المرادان جميعا فيكون الجسم الواحد ساكنا متحركا وذلك محال أو يحصل أحد المرادين دون الآخر فيكون الذي حصل مراده هو الإله، والثاني يكون عاجزا وذلك محال؛ لأن العجز عن الشيء يقتضى صحة كون المعجوز عنه مقدورا لمن عجز عنه، ألا ترى أن الأجسام لما لم يصح اقتدارنا عليها لا جرم لسنا عاجزين عنها، وكذلك الجمع بين الضدين لما لم يصح أن يكون مقدورا لا جرم لم يكن الباري تعالى عاجزا عنه فلو قدر قديم عاجز عن شيء وجب صحة اقتداره عليه وإذا كان كذلك فاختصاصه بالعجز دون القدرة يستدعي
(1) انظر: 122 وما بعدها.
(2) انظر الأربعين: 214 وما بعدها والمحصل: 193 - 194 والمعالم: 79 - 80.