الدلائل وأما بيان دلالته على صدق المدعى فسنذكر (1) .
فإن قيل: هل تجوزون أن يرسل الله تعالى رسلا تترى في أوقات متعاقبة أو تمنعونها؟ فإن جوزتم فلا يخلو: إما أن تكون آية كل نبي مماثلة لآية من قبله وحينئذ تتكرر الآية الواحدة وتصير من العوائد أو تختلف آياتهم فتكون آية نبي إحياء الموتى وآية الآخر إبراء الأكمة والأبرص وحينئذ يصير خرق العادة في الجملة عادة كتكرر الآيات المتماثلة.
وإن منعتم من جواز إرسال الرسل في أوقات متقاربة خالفتم نص الطتاب وهو قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا} [المؤمنون: 44] وقدحتم في الأنبياء لأنكم ادعيتم أن الله تعالى ابتعث من زمن آدم إلى نبيكم - صلى الله عليه وسلم - مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ولو عوا على الأزمان لكان في حد التكرار.
وقال القاضي (2) في الجواب عنه: أن الله تعالى لم يخصص كل نبي بآية بل خصص بالآيات أقواما مخصوصين ثم إنهم أخبروا بمجيء أقوام معيين صدقوهم ووصوا الخلائق بتصديقهم وفي القصص أن أصحاب الآيات هم المرسلون (3) وقد سئل النبي - عليه السلام - عن عدتهم فقال: ثلاثمائة وخمسة عشر (4) ولا يبعد أن يكون في المرسلين من لم تكن له آية.
(1) قارن المرجع السابق: نفس الصفحة.
(2) يقصد القاضي الباقلاني - رحمه الله -.
(3) انظر التمهيد للباقلاني: 96 وما بعدها.
والحديث الذي استدل به المعترض رواه أبو ذر الغفاري حيث قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: كم الأنبيائ؟ فقال:"مائة الف وأربعة وعشرون ألفا"فقلت: وكم الرسل؟ فقال:"ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا"رواه أحمد في المسند: 178/ 5 - 179.
(4) تقدم تخريج الحديث منذ قليل.