وهاهنا وجه ثالث في إعجاز القرآن وهو اشتماله على الإخبار - عن (1) - الغيوب مع الإصابة فيها ويجب أن ننبه هاهنا لدقيق وهو: أنه ليس الإعجاز في نفس الإخبار فإنه لا يعجز أحد عن النطق بأمثالها ولا في نفس المخبر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يخبر عن وقوع أمور معتادة فلا معنى لجعلها من قبيل المعجزات بل الإعجاز في علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما أخبر عنه وذلك ينقسم إلى قسمين:
منها: ما يكون خبرا عن وجود المضايين وأخبار الأولين من غير تعلم ولا تلقن كتاب.
ومنها: ما يكون خبرا عن حدوث شيء في المستقبل وذلك دليل على صدق المدعي بعد وقوع ما أخبر عنه وتكرر ذلك مرارا كثيرة، بخلاف المنجمين فإنه وإن كان يتفق لهم الإضافة في بعض ما يخبرون هن حدوثه في المستقبل ناجزا، إلا أنه يكثر لهم الغلط ويعظم الخطأ ولا تتكرر الإصابة ولا يلزم أيضا - من (2) - إخبار السحرة عن الحوادث في الأقاليم البعيدة، وإصابتهم في ذلك؛ لأنا قد أوضحنا الفرق بين السحر والمعجزة في الباب المتقدم بما لا حاجة إلى الإعادة (3) .
فمن جملة الآيات المشتملة على الغيوب:
قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 2 - 4] .
فاشتملت الآية على الإخبار عن أمر وقع وهو غلبة الفرس والروم في أدنى الأرض وهي منقطع الشام واشتملت الآية على أمر موعود وهو غلبة الروم
(1) زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.
(2) زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.
(3) انظر: 224 وما بعدها.