والجواب عن الشبهة الثانية: هو أنا لا نسلم أن الإمكان م نالقضايا الغثناتية فعلى هذا لا يفتقر إلى المحل كما أوضحناه وإن سلمنا ذلك إلا أنه من الجائز أن يكون مضافا إلى حقائق الاشياء لا إلى موضوع آخر، وكيف ولو وجد إمكان وجوده في غيره لما كان ذلك الإمكان إمكانا له بل إمكانا لغيره؟ وأيضا فلو افتقر إمكان الأشياء غلى موضوع لافتقر إمكان العقول المفارقة (1) غلى هيولي ويلزم أن تكون العقول جواهر وذلك عندهم محال (2)
والجواب عن الشبهة الثالثة: أن سبب حدوث العالم حينما حدث ليس إلا إرادة الله القديمة بحدوثه حينما حدث (3) فإن قالوا: ولما أراد إحداثه في ذلك الوقت ولم يرد إحداثه إما قبله أو بعده؟
قلنا: لو عللنا إرادته لحدوث العالم في الوقت المعين، لكان السؤال باقيا لو أراد إحداثه في وقت آخر، ويؤدي ذلك إلى طلب العلة (4) لكون الإرادة مخصصة ومرجحة وهذ هي حقيقة الإرادة كما أن كون العلم من شأنه ن يعلم به العلوم وحقيقتها وخاصية وتعليل الحقائق مستحق لوجوبها فبطل ما ذكروه (5)
(1) العقول المفارقة: هي عقول مجردة عن المادة أثبتها الحكماء وهي قديمة وزعموا أنها تدبر السماوات بل قالوا: إن الفعل الفعال الذي هو عقل فلك القمر يدبر ما تحت السماوات.
(2) واضح جدا تأثر الإمام الرازي بحجة الإسلام الغزالي في رده على الفلاسفة قارن تهافت الفلاسفة: 118 وما بعدها وانظر أيضا: المحصل: 84 وما بعدها.
(3) قارن تهافت الفلاسفة: 119 وما بعدها.
(4) تقدم تعيف العلة انظر: 44.
(5) هذه أدلة الرازي - رحمه الله تعالى - على حدوث العالم، وذلك ليتوصل بها إلى إثبات وجود الله تعالى، وكونه صانعا له كما توصل الرازي إلى استحالة القول بقدم العالم. ولكن المتأمل لكتب الرازي يجد أن أبا عبد الله قد زاد على هذه الحجج ونوع في الأدلة وهو ما سنحاول إيجازه فيما يلي: =