في العدم (1) .
فلنفرض الكلام في السواد (2) ونقول: لو كان السواد ثابتا في العدم لكان إما أن يكون شيئا واحدا واعدادا متكثرة فإن كان شيئا واحدا فلا يخلو إما أن يصح ارتفاع الوحدة عنه أو لا يصح فإن لم يصح ارتفاع الوحدة عنه لم يتكثر عند الوجود، فلم تكن الأجسام الموجودة متكثرة هذا خلف وإن صح ارتفاع الوحدة عنه صح وقوع الكثرة فيه، إذ الشيء مهما لم يكن واحدا فلابد وأن يكون كثيرا لكنه مستحيل وقوع الكثرة فيها من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الكثرة في الشيء إنما تقع بتخصيص البعض بألا يوجد في الآخر، ألا ترى أن لقولك: هذا السواد مفهوم ما زائد على قولك: سواد، فلو لا أنه دخل في مفهوم قولك هذا السواد مالم يدخل في مفهوم قولك: سواد لما اختلفا في المفهوم، وغذا ثبت ذلك فالصفة التي اختص بها البعض دون البعض إن كانت ذاتية، فيكون مالم يختص بتلك الصفة مخالفا لما اختص بها في الحقيقة وقد فرضناها مشتركين في الحقيقة هذا محال، وإن لم تكن ذاتية كانت في عوارض الماهية ولو احقها واللاحق إنما يلحق فردا من أفراد النوع لتعيين ذلك الفرد، غذ لو لم يكن متعينا لاستحال أن يعرض العارض له دون ما يماثله فإذن تكثر النوع يسبق على صحة اختصاص بعض منه بلاحق دون ما يساويه وقد فضنا أن لحوق هذه العوارض لحقيقتها سبب لتكثرها فيكون الشيء سببا لما هو سبب له هذا محال. (3)
(1) قارن المحصل: 55.
(2) قارن المحصل: نفس الصفحة وما بعدها.
(3) قارن المحصل: 56.