فإن قيل: هذه الحجة مبنية على أن وجود الاشياء غير حقائقها فبينوا ذلك.
قلنا: الدليل عليه وهو أنه يصح تقسيم الموجود من حيث المعنى إلى الواجب والممكن (1) فيقال: الموجود إما أن يكون واجبا أو ممكنا، ولولا اشتراك الواجب والممكن في معنى الوجود، وإلا لاستحالت هذه القسمة، وليس لأحد أن يقول: القسمة وردت على لفظ الوجود لا على معناه، فإنا نعلم أنه إذا طويت العبارات وارتفعت الغشارات كان العقل لصريح يقتضي صحة هذا التقسيم فبطل ما قالوه ونحن قد دللنا في الفصل السابق على أن وجود الباري تعالى نفس حقيته (2) وما ذكرناه الآن يقتضي أن يكون وجوده زائدا على حقيقته ونحن
وحاصله:"أنا نرى الجواهر والأعراض بحكم الضرورة كالأجسام والاضواء والألوان والأركوان لذلك من علة، لامتناع الترجيح بلا مرجح وكذلك فلا بد من وجود علة مشتركة بين الجوهر والعرض وهي إما الوجود وإما الحدوث لا يصلح لأته عدمي، وهو لا يصح فتعين الوجود"انظر: شرح المقاصد: 140/ 3. والجدير أن الرازي له موقف من الدليل العقلي على جواز ريؤة مولانا - تعالى وتقدس - فهو تارة يؤيده كما هاهنا وترة يرفضه رفضا مطلقا، بل ويخترع من الأدلة والاعتراضات ما يهدم هذا الدليل من نأصله، إذ لا دليل على أنه لا مشترك إلا الوجود والحدوث، وأن ذلك من المقدمات المشكلة في هذا الدليل ويعترف بأن الأدلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة، وأنه غير قادر على الإجابة عنها، فمن أجاب عنها أمكنه أن يتمسك بهذا الدليل، وتارة نراه يتوقف عن الأخذ بهذا الدليل انظر: نهاية العقول: 11/ 3 - 13، والأربعين: 195 - 197 والمطالب العالية: 172/ 1 لذلك فقد طرح الرازي الأدلة العقلية والاعتماد جانبا لما أحس بعضها ولاذ إلى ركن أمين أعني الاخذ بما ورد في الكتاب والسنة والاعتماد على إخبار الأنبياء بحصولها متأثرا في ذلك برأي الشيخ أبي منصور الماتريدية.
(1) الممكن هو: ما يقبل الثبوت تارة ةالانتفاء تارة أخرى.
(2) انظر: 35 وما بعدها.