فأخبرنا أن تكذيبهم صادرٌ عن جهلِهمْ, وعدمِ إحاطتهم بعلمهِ, وأنه لمْ يأتهم تأويلهُ الذي هو وُقُوع العذابِ, الذي يُوجِبُ للعبدِ الرجوع إلى الحق والاعتراف به.
ويقولُ تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111] .
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] .
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 24] .
إلى غيد ذلك من النصوصِ الدالة على هذا المعنى.
والجهلُ, إما أن يكون بسيطاً, كحال كثيرٍ من دهماء المكذبين للرسولِ الرادينَ لدعوتهِ اتباعًا لرؤسائهم وساداتِهم.
وهم الذين يقولونَ إذا مسَّهم العذابُ: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67] .
وإما أن يكون الجهلُ مركبًا, وهذا على نوعين:
أحدهما: أن يكونَ على دينِ قومِه وآبائه, ومن هو ناشئٌ معهم فيأتيه الحقُّ فلا ينظرُ فيه, وإن نظَر فنظرٌ قاصرٌ جدَّا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه وتعصّبهِ لقومِه.
وهؤلاء جمهورُ المكذبينَ للرُّسُل, الرَّادينَ لدعوتهم. الذين قال الله فيهم: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .
وهذا هو التقليدُ الأعمى, الذي يظنُ صاحبُهُ أنهُ على حقٍ وهو على الباطل.
ويدخل في هذا النوعِ: أكثرُ الملحدينَ الماديينَ, فإن علومَهم عند التحقيق تقليدٌ لزعمائِهمْ, إذا قالوا مقالةً قبلوها كأنها وحيٌ منزلٌ, وإذا ابتكروا نظريةً خاطئةً سلكوا خلفهُم في حالِ اتفاقهمْ وحالِ تناقضِهم. وهؤلاء فتنةٌ لكلِّ مفتونٍ ? بصيرة لهُ.
النوعُ الثاني من الجهلِ المركَّبِ: حالةُ أئمةِ الكفرِ وزعماء الملحدين الذين مهرُوا في علوم الطبيعة والكون.