جاء في الذين تبوأوا الدار من قبل المهاجرين: أن تُبَّعًا الأول كان جوالاً في
البلاد يتطلع سير أهلها وأشكالهم، وخرج لذلك في مائة ألف وثلاثين ألف راكب
ومائة ألف وعشرين ألف راجل، وكان إذا حلَّ بالبلد خرج إليه أهلها بالهدايا
والتحف وبرزوا له، وعظموا شأنه ودانوا له، وكان إذا دخل البلد سأل عن علمائه
وحكمائه فاختار منهم عشرة وحملهم مع نفسه، ولما جاء مكة وقد اجتمع عنده من
العلماء والحكماء أربعمائة رجل، فلما نزل بساحة مكة لم يخرجوا إليه ولا فعلوا
معه ما كان يفعله غيرهم، فغضب لذلك ودعا بوزيره فسأله عن ذلك، فأخبره أنهم
سدنة هذا البيت وبه يفخرون على غيرهم، وهم عبدة أصنام، فأضمر في نفسه تلك
الليلة أن يهينهم ويهدم بيتهم ويقتل رجالهم ويسبي نساءهم.
فأخذه الله - تبارك وتعالى - تلك الليلة بصداع وفيح من أذنيه وعينيه وأنفه ماء
يجري منها منتنًا لا يقدر أحد أن يقرب منه، فأمر بإحضار الحكماء، وعرض ذلك
عليهم فعمي عليهم شأنه وقالوا: نظرنا في العلل الأرضية، وأما العلل السماوية فلا
علم لنا بها.
وجاء منهم حكيم إلى الوزير وقال: أدخلني على الملك حتى أستخبره عن
حاله بحضرتك؛ ولما دخل عليه قال: أصدقني أيها الملك ولا تكتمني شيئا، هل
نويت في هذا البيت شيئا في نفسك؟ قال: نعم، فأخبره الخبر، قال له: أيها الملك،
إن دواءك أن تتوب مما نويته، وتحول نيتك إلى الإحسان إلى البيت وإلى أهله،
والإيمان برسول يولد في هذا البلد يهاجر إلى يثرب، قال: فإني قد نويت الخير
فيهم، ولم يلبث العالم من عند الملك غير يسير وقد تماثلت حاله وخف شأنه، ثم
توجهت صحته حتى تمكنت بقدرة الله فعجبوا لذلك، فآمن الملك والحكيم والوزير
وآمن جميع عسكره.
ثم خرج من الغد صحيحًا وهو على ملة إبراهيم - عليه السَّلامُ - وأهل عسكره، وكسا
الكعبة، وهو أول من كساها، وأحسن إلى أهل مكة وأطعمهم وسقاهم، وأمرهم
بحفظ البيت، وأعلى منزلة ذلك الحكيم الناصح له، وأمَّا العلماء الذين كان
اختارهم لصحبته فقالوا له: لا نبرح نحن من يثرب ننتظر هذا النَّبي المهاجر إلى هذه
البلدة الذي نطقت الكتب بوصفه والتواريخ بخروجه، يهدي إلى الحق وإلى الطريق