فهرس الكتاب
اختلف العلماء فيما بين رؤياه وتأويلها على خمسة أقاويل:
أحدها: أنه كان بيهما ثمانون سنة , قاله الحسن وقتادة.
الثاني: كان بينهما أربعون سنة , قاله سليمان.
الثالث: ست وثلاثون سنة , قاله سعيد بن جبير.
الرابع: اثنتان وعشرون سنة.
والخامس: أنه كان بينهما ثماني عشرة سنة , قاله ابن إسحاق.
«فإن قيل» : فإن رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة فهلاّ وثق بها يعقوب وتسلى؟ ولم {قال يا بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا} وما يضر الكيد مع سابق القضاء؟
قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أنه رآها وهو صبي فجاز أن تخالف رؤيا الأنبياء المرسلين.
الثاني: أنه حزن لطول المدة في معاناة البلوى وخاف كيد الإخوة في تعجيل الأذى.
{وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو}
«فإن قيل» : فلم اقتصر من ذكر ما بُلي به على شكر إخراجه من السجن دون الجُب وكانت حاله في الجب أخطر؟
قيل عنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه كان في السجن مع الخوف من المعرة ما لم يكن في الجب فكان ما في نفسه من بلواه أعظم فلذلك خصه بالذكر والشكر.
الثاني: أنه قال ذلك شكرًا لله عز وجل على نقله من البلوى إلى النعماء , وهو إنما انتقل إلى الملك من السجن لا من الجب , فصار أخص بالذكر والشكر إذ صار بخروجه من السجن ملكًا , وبخروجه من الجُب عبدًا.
الثالث: أنه لما عفا عن إخوته بقوله {لا تثريب عليكم اليوم} أعرض عن ذكر الجب لما فيه من التعريض بالتوبيخ وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} أي من سجن السخط إلى فضاء الرضا.
وفي قوله: {وجاء بكم من البدو} ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم كانوا في بادية بأرض كنعان أهل مواشٍ وخيام , وهذا قول قتادة.
الثاني: أنه كان قد نزل (بدا) وبنى تحت جبلها مسجدًا ومنها قصد , حكاه الضحاك عن ابن عباس.
قال جميل:
(وأنتِ التي حَبَبْتِ شغبًا إلى بَدَا ... إليّ وأوطاني بلادٌ سِواهما)
يقال بدا يبدو إذا نزل (بدا) فلذلك قال: وجاء بكم من البدو وإن كانوا سكان المدن.
الثالث: لأنهم جاءُوا في البادية وكانوا سكان مدن , ويكون بمعنى في.
واختلف من قال بهذا في البلد الذي كانوا يسكنونه على ثلاثة أقاويل.
أحدها: أنهم كانوا من أهل فلسطين , قاله علي بن أبي طلحة.
الثاني: من ناحية حران من أرض الجزيرة , ولعله قول الحسن.
الثالث: من الأولاج من ناحية الشعب , حكاه ابن إسحاق.
{من بَعْدِ أن نَزَغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي} وفي نزغه وجهان: أحدهما: أنه إيقاع الحسد , قاله ابن عباس.
الثاني: معناه حرّش وأفسد , قاله ابن قتيبة.
{إن ربي لطيف لما يشاء} قال قتادة: لطيف بيوسف بإخراجه من السجن , وجاء بأهله من البدو , ونزع عن يوسف نزغ الشيطان.