اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل:
أحدها: أن المحكم الناسخ , والمتشابه المنسوخ , قاله ابن عباس , وابن مسعود.
والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه , قاله مجاهد.
والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا , والمتشابه ما احتمل أوجهًا , قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير.
والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه , والمتشابه الذي تكررت ألفاظه , قاله ابن زيد.
والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد , والمتشابه القصص والأمثال.
والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره , والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه , كقيام الساعة , وطلوع الشمس من مغربها , وخروج عيسى ونحوه , وهذا قول جابر بن عبد الله. والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
ويحتمل ثامنًا: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة , والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة , كأعداد الصلوات , واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. وإنما جعله محكمًا ومتشابهًا استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر , وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (القرآن على ثلاثة أجزاء: حلال فاتبعه , وحرام فاجتنبه , ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه) .
وأما قوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب} .
ففيه وجهان: أحدهما: أصل الكتاب.
والثاني: معلوم الكتاب. وفيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود , قاله يحيى بن يعمر.
والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن , وهو قول أبي فاختة.
ويحتمل ثالثًا: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه , فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه , فلذلك سماه أم الكتاب.
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فيه تأويلان: أحدهما: ميل عن الحق.
والثاني: شك , قاله مجاهد.
{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته.
والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح , فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: (بلى) فقالوا: حسبنا , فأنزل الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ} وهو قول الربيع.
وفي قوله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أربعة تأويلات:
أحدها: الشرك , قاله السدي.
والثاني: اللّبْس , قاله مجاهد.
الثالث: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران.
والرابع: إفساد ذات البَيْن.
{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} في التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير.
والثاني: أنه العاقبة المنتظرة.
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ}
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: تأويل جميع المتشابه , لأن فيه ما يعلمه الناس , وفيه ما لا يعلمه إلا الله , قاله الحسن.
والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد , كما قال الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] يعني يوم القيامة , قاله ابن عباس.
والثالث: تأويله وقت حلوله , قاله بعض المتأخرين.
{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني الثابتين فيه , العاملين به.
والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين , وفيهم وجهان:
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء , وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعًا. روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله.
الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء , ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده , ثم استأنف فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} .
{يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: علم ذلك عند ربنا.
والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه , منزل من عند ربنا.