«فإن قيل» : فكيف قال: {وجعل لكم من الجبال أكنانًا} ولم يذكر السهل وقال {تقكيم الحر} ولم يذكر البرد؟
فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل , وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد , فذكر لهم نعمه عليه مما هو مختص بهم , قاله عطاء.
الثاني: أنه اكتفى بذكر احدهما عن ذكر الآخر , إذ كان معلومًا أن من اتخذ من الجبال أكنانًا اتخذ من السهل , واسرابيل التي تقي الحر تقي البرد , قاله الفراء , ومثله قول الشاعر:
(وما أدري إذا يممتُ أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني.)
فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه.
الثالث: أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا} وذكر الحرَّ دون البرد تحذيرًا من حر جهنم وتوقيًا لاستحقاقها بالكف عن المعاصي.