وهذا الكلام يفهم منه وجود نوع من التنافس بين الجانبين قبل الإسلام، في ضوء ما نعرف من طبيعة الحياة العربية في مكة قبل الإسلام، ولكنه تنافس يحدث بين الإخوة أحيانًا، وبين أبناء الأب الواحد، غير أنه لم يتطور ليصبح تربصًا وعداء كما يزعم المتزيدون (13) .
ولدينا من شواهد التاريخ ما يدل على قوة العلاقة بين بني هاشم وبني أمية، فقد كان عبد المطلب بن هاشم ـ زعيم الهاشميين في عصره ـ صديقًا لحرب بن أمية ـ زعيم الأمويين ـ كما كان العباس بن عبد المطلب بن هاشم صديقًا حميمًا لأبي سفيان بن حرب بن أمية.
والغريب أن المقريزي الذي ألف كتابًا خاصًا عن علاقات الهاشميين والأمويين وجعل محوره النزاع والتخاصم، يعترف بالصداقة الوطيدة التي كانت بين العباس وأبي سفيان (14) ، فإذا كانت الصداقة الوطيدة قائمة، ووطيدة بين زعماء البيتين ـ الأموي والهاشمي ـ وهما أبناء أب واحد، وهوعبد مناف بن قصي، فإن الحدس بتأصيل النزاع بينهما بعد الإسلام والرجوع به إلى ما قبل الإسلام لا سند له من تاريخ (15) .
وكل ما جاء في كتاب"النزاع والتخاصم"من أن العداوة مستحكمة بين بني أمية وهاشم وأنها قديمة لا يثبت أمام البحث العلمي النزيه.
والذين ينظرون إلى تاريخ بني أمية من خلال موقف أبي سفيان من الإسلام في مكة , ومن خلال ما دار بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من حروب يبنون على ذلك ـ كما فعل العقاد ـ أوهامًا من صراع تاريخي قبل الإسلام وبعده , بين بني هاشم وبني أمية وتلك أوهام ليس لها من التاريخ إلا رواية ملفقة أوأحداثًا عارضة لا تمثل قط صراعًا بين هذين الفرعين الكريمين من بني عبد مناف , وهما ذروة الشرف في قريش (16) ، والذي يظهره البحث العلمي النزيه ـ وبعد ترك الروايات والأساطير الساقطة ـ هوأن العلاقة بين البطنين كانت طبيعية مثلها مثل العلاقة بين باقي بطون قريش ...