فهرس الكتاب

الصفحة 1668 من 5466

ومن الناس -حتى من الشيوخ الذي لهم ظاهر علم وزهد- من يجعل مستنده في مثل ذلك حكاية يحكيها عن مجهول, حتى إن منهم من يقول: حدثني أخي الخضر أن قبر الخضر بمكان كذا. ومن المعلوم الذي بيناه في غير هذا الموضع أن كل من ادعى أنه رأى الخضر, أو سمع شخصًا رأى الخضر أو ظن الرائي أنه الخضر: أن كل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة المخرفين, الذين لا حظ لهم من علم ولا عقل ولا دين, بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون.

وأما ما يذكر من وجود رائحة طيبة, أو خرق عادة أو نحو ذلك مما يتعلق بالقبر, فهذا لا يدل على تعينه. وأنه فلان أو فلان, بل غاية ما يدل عليه -إذا ثبت- أنه دليل على صلاح المقبور, وأنه قبر رجل صالح أو نبي.

وقد تكون تلك الرائحة مما صنعه بعض السوقة. فإن هذا مما يفعله طائفة من هؤلاء, كما حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان, وكان أحدهما قد اتخذ قبرًا تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال, فعمد الآخر إلى قبر, وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف, وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة.

وقد حدثني جيران القبر الذي بجبل لبنان بالبقاع, الذي يقال: إنه قبر نوح, وكان قد ظهر قريبًا في أثناء المائة السابعة, وأصله: أنهم شموا من قبر رائحة طيبة ووجدوا عظامًا كبيرة, فقالوا: هذه تدل على كبير خلق البنية. فقالوا -بطريق الظن- هذا قبر نوح. وكان بالبقعة موتى كثيرون من جنس هؤلاء.

وكذلك هذا المشهد العسقلاني, قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى بن مريم. وقد يوجد عند قبور الوثنيين من جنس ما يوجد عند قبور المؤمنين, بل إن زعم الزاعم أنه قبر الحسين ظن وتخرص. وكان من الشيوخ المشهورين بالعلم والدين بالقاهرة من ذكروا عنه أنه قال: هو قبر نصراني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت