فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يقول النووي رحمه الله في ذلك: قول معاوية هذا ، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه ، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب ، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك . فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب ، فأنت مصيب محسن ، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر ، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون ، فلم يسب معهم ، وعجز عن الإنكار ، أو أنكر عليهم ، فسأله هذا السؤال ، قالوا: ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده ، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ . شرح صحيح مسلم ( 15 / 175 ) .
وقال القرطبي في المفهم ( 6 / 278 ) : ( وهذا ليس بتصريح بالسب ، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك ، أو من نقيضه ، كما قد ظهر من جوابه ، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن ، وعرف الحق لمستحقه ) .
والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية رضي الله عنه إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد ، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه ، فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم ، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي رضي الله عنهما ، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير ..
وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس: أنت على ملة علي ؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم . انظر الإبانة الكبرى لابن بطة ( 1 / 355 ) .
وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة ، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب ، وأما ما ادعى الرافضة من الأمر بالسب ، فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك ، والمانع من هذا عدة أمور:-
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا رضي الله عنه ، فكيف يأمر غيره بسبه ؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام ، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه .