فهرس الكتاب

الصفحة 3720 من 5466

و لنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحلية ( 1/ 84 - 85 ) عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: صف لي عليًا ، فقال ضرار: أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال معاوية: لا أعفيك ، قال ضرار: أما إذ لابدّ ، فإنه كان و الله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلًا و يحكم عدلًا ، و يتفجر العلم من جوانبه ، و تنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا و زهرتها ، و يستأنس بالليل و ظلمته ، كان و الله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، و يخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، و من الطعام ما جشب - غليظ ، أو بلا إدام - ، كان و الله كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، و يجيبنا إذا سألناه ، و كان مع تقربه إلينا و قربه منا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، و يحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، و قد أرخى الليل سدوله ، و غارت نجومه ، يميل في محرابه قابضًا على لحيته ، يتململ تململ السليم - اللديغ - ، و يبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن و هو يقول: يا ربنا ، يا ربنا ، يتضرع إليه ، ثم يقول للدنيا: إلىّ تغررت ؟ إلىّ تشوفت ؟ هيهات ، هيهات ، غري غيري ، قد بَتَتّكِ ثلاثًا ، فعمرك قصير ، و مجلسك حقير ، و خطرك كبير ، آهٍ آه من قلة الزاد ، و بعد السفر و وحشة الطريق . فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، و جعل ينشفها بكمه ، و قد اختنق القوم بالبكاء ، فقال - أي معاوية -: كذا كان أبو الحسن رحمه الله ، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار ؟ قال ضرار: وَجْدُ من ذبح واحِدُها في حِجْرِها ، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها ، ثم قام فخرج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت