فهرس الكتاب

الصفحة 4803 من 5466

فظن بعضهم أن الضمير هنا يعود على الشراب الذي ناوله لبريدة وهذا غلط شديد جدا لأن الضمير هنا لا يعود على ذلك الشراب بل هو ضمير في مكان شيء ظاهر يقول فيه النحويون: أضمر في مقام الإظهار أي أنه جاء بالضمير عوض أن يأتي بالاسم الظاهر، والعرب تستعمل هذا كثيرا، إذا أرادت أن تتكلم عن شيء تستشنعه وتستقذره وتستحيي من التلفظ به، تأتي بالضمير ولا تأتي بالظاهر وهذا من جمال لغة العرب.

وضع معاوية الشراب في يد بريدة ثم قال: ما شربته، أي الخمر منذ حرمه النبي وكان حقه أن يقول: ما شربت الخمر منذ حرمه النبي ولكنه جاء بالضمير عوض الظاهر استشناعا للنطق باسم الخمر.

وهذا دليل على فضله ومبالغته في التحرز من الخمر فالذي يستشنع مجرد النطق باسم الخمر، كيف يشربه؟

وقد ابلغ في الغلط من تصور أن الضمير في قوله (ما شربته) يرجع إلى الشراب الذي بين أيديهم.

ويقال هنا: كيف ذكر الخمر؟ وما وجه الحديث عنه؟

فالجواب: أن هذا من باب الاستطراد وهذا جار على عادة العرب

فالاستطراد: هو ذكر الشيء في غير محله لمناسبة داعية إلى ذلك.

مثاله: أن النبي سئل عن طهارة ماء البحر فأجاب عن ذلك، واستطرد لذكر حكم الميتة التي لم يسأل عنها. وهذا من الاستطراد المحمود. ولذلك يقولون: الشيء بالشيء يذكر.

فمعاوية لما رأى شرابا على مائدته، ذكره ذلك بالشراب الذي كانوا عليه في الجاهلية لا يفارق موائدهم ألا وهو الخمر وكيف أنهم استبدلوه باللبن فالمناسبة قوية للغاية

وهذا هو الدليل من (مصنف ابن أبي شيبة6/188) :

30560 حدثنا زيد بن الحباب عن حسين بن واقد قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال: قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلس أبي على السرير وأتى بالطعام فأطعمنا ، وأتى بشراب فشرب ، فقال معاوية ، ما شئ كنت أستلذة وأنا شاب فأخذه اليوم إلا اللبن ، فإني آخذه كما كنت آخذه قبل اليوم ، والحديث الحسن.

هذه الرواية لا تترك شكا لأحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت