وتأتي التقفية الثانية"اشتعال"المرتبطة بمفردة"الطريق"ممثلة تمامًا للنقطة الدلالية المركزية في القصيدة القائمة على المفارقة بين الحاضر غير المطلوب"صاحب الجثة"والغائب المطلوب"الخائن حي"، هذه المفارقة التي تقرر عدم استقامة الطريق"اشتعال".
هذا يعني أن التقفية هنا بنية أساسية وليست طارئة تهدف إلى إشاعة جو إيقاعي مجرد. ولعل قصيدة"تقاطعات"للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي تمثل واحدة من أكثر بنى هذا النوع من التقفية تماسكًا ودقة وإحكامًا في البناء:-
وتكون أمسية
مطر، كخيط الغزل،
يقطعني وأقطعه
وشوارع تنصب في جسدي
وأعبرها!
ويكون ضوء يلعب البلل الصقيل به
يفرقه، ويجمعه
ويكون نهر يقتفي أثري
وريح مثقل بالغيم والأصداء،
يدفعني، وأدفعه
ويكون أني حين ألقاه ... أضيعه! [1]
القصيدة مكونة من أربع جمل شعرية تنتهي جميعًا بقافية واحدة مكونة من صوت"العين المضموم زائدًا الهاء المشبعة بالضم وهي (أقطعه- يجمعه- أدفعه- أضيعه) ، وهذه التقفيات الأربع مبنية على نمطين من المطابقة، الأولى مطابقة تامة في الصورة والأداء فقط (يفرقه- يجمعه / يدفعني- أدفعه) . الثانية مطابقة تامة في الأداء فقط (يقطعني- أقطعه / يدفعني- أدفعه) . وهذا الإحكام في صياغة التقفيات صياغة بلاغية يقدم شكلًا جديدًا لوظيفة القافية، ففضلًا عن الوظيفتين الإيقاعية والدلالية فإن القصيدة هنا تقدم وظيفة ثالثة هي الوظيفة البلاغية."
وبالرغم من أن القافية هنا موحدة فإن ثمة دينامية خاصة فيها تخرجها من
(1) كائنات مملكة الليل، دار الآداب، ط 1، 1978، بيروت، 97 - 98.س