فإن بدايات الأسطر الشعرية فيه تنطلق بشيء من التوازن الإيقاعي عبر ما تحدثه التفعيلات الكاملة من أثر إيقاعي محدد ومتماثل، إلا أنها تنتهي نهايات تتباين بين البطء فيما تحدثه التفعيلة الصحيحة (فاعلن- ب-) ، والسرعة فيما يحدثه الضرب المقطوع (فعلن-) .
أما في خاتمة القصيدة فإن التفعيلة الصحيحة (- -ب-) تأتي أربع مرات، ومرتين زاحفة زحاف الطي (-ب ب-) في حين تأتي التفعيلة الصحيحة الثانية (-ب-) مرة واحدة مقابل ثلاثة مرات للضرب المقطوع (- -) ، وهذا ما يفسر زيادة معدلات السرعة مع نهاية التجربة التي تتضمن كثافة فعلية من جهة (ليأت - تسمعها- تأتيك- يحملها) ومفردات موحية بالسرعة (الطوفان- الإعصار) من جهة أخرى.
ولو حاولنا ملاحظة المقاطع الأربعة ونسب التغير الإيقاعي فيها قياسًا إلى التغيرات العروضية في تفعيلاتها، لاكتشفنا أن المقطع الأول من القصيدة وهو المقطع الاستهلالي يتماثل مع المقطع الرابع وهو المقطع الاختتامي في تساوي التفعيلات الصحيحة لتفعيلتي"السريع"مع التفعيلات الزاحفة والمعلولة، إذ تأتي في المقطع الأول بمعدل (10/ 10) ، وفي المقطع الرابع بنصف هذا العدد بالضبط (5/ 5) ، ما يدل على وجود تناسب وتوافق إيقاعي بين المقطعين.
أما المقطعان الثالث والرابع فإن التفعيلات الصحيحة فيهما تكاد تتفوق بمعدل أكثر من مرتين ونصف تقريبًا على حجم التفعيلات المخبونة والمعلولة، مما يدل على أن الهدوء الإيقاعي الذي يسيطر بسرعة إيقاعية تنسجم مع الطبيعة الوصفية المكثفة للمقطع الأول، والضربة الإيقاعية الاختتامية في المقطع الأول.
أما إذا أخذنا قصيدة"خلاصة السفر"للشاعر خالد علي مصطفى مثلا، التي وضعها في مقدمة قصيدته الطويلة"سفر بين الينابيع"لتحدد وجهها الشعري وتعطيها هوية الحرمان والبحث المستديم بلا جدوى، فإننا سنتعرف على تأثيث آخر للبيت العروضي في القصيدة:
ظامئًا عدت من سفري، والينابيع ثوبي
ورثت كل وشم يلوح على جسدي
وورثت شموع القوارب قبل انتهاك الحصاد
فكان التجلي
وردة، والهبوط