أَمَّا واضعه فهو الخليل بن أحمد الفراهيديّ على الأشهر، وكان معروفًا بالزهد والعبادة وإمامًا في النحو واللغة، وهو شيخ سيبويه، توفي - رحمه الله تعالى [1] - في السنة التي ولد فيها الهادي [2] ، وولي الرشيد [3] ، وهي سنة سبعين ومائة، وعمره أربع وسبعون.
وقال الشيخ جمال الدين ابن واصل [4] :"وقفت على تصانيف لحكماء اليونان في هذا العلم تكلموا فيها على أوزان الشعر، وفكوا بحورها بعضها من بعض، لكن الخليل لم يسبقه أحد في الملة الإسلامية إلى ذلك، فإما أن يكون أخذه منهم، واستعمله في أوزان أشعار العرب، وإما أن يكون ذكائه وجودة قريحته قد طابق عمله عمل اليونان، فإنه قد يتوارد الخاطر كما يقع الحافر على الحافر".
وأما سبب تسميته، فسيأتي.
وأما فائدته فمعرفة الوزن الصحيح من غيره / 2 ب / لا يقال الطباع السليمة تُدرك الفرق بين صحيح أوزان الشعر وفاسده، ولا يحتاجُ إلى استعمال قانون في ذلك؛ لأنا نقول أولًا لا نسلم أن الطباع السليمة كافية في ذلك؛ لأن البحور قد تتشابه بدخول الزحاف عليها؛ فلا يشعر ذو الطبع السليم بالفرق بين البحرين المتشابهين كالكامل إذا دخله الإضمار يشتبه بالرجز السالم، وإذا دخله الخزل يشتبه بالرجز المخبون، والوافر إذا عُصِبَ اشتبه بالهزج، وسيأتي بيان هذا كله، والكل مقبول عند الطبع، وقد وقع في المداخلة بين البحور جماعة من فحول الشعراء الجاهلية كمرقش الأكبر [5] ، ومهلهل [6] وعلقمة بن عبدة [7] وعبيد بن الأبرص
(1) كلمة:"تعالى"ساقطة من أ.
(2) هو أبو محمد موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، من خلفاء الدولة العباسية ببغداد، ولد بالريّ، وولي بعد وفاة أبيه سنة مائة وتسع وستين، وكان غائبًا بجرجان، فأقام أخوه الرشيد بيعته، واستبدت أمه الخيرزان بالأمر، وقتل خنقًا بأمر من جواري أمه، سنة مائة وسبعين، وكان طويلًا جسيمًا أبيض شجاعًا جوادًا له معرفة بالأدب والشعر. انظر: فوات الوفيات 4/ 173 - 175 والأعلام 7/ 327.
(3) هو أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي خامس خلفاء الدولة العباسية، ولد بالري لما كان أبوه أميرًا عليها وعلى خراسان، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة مائة وسبعين، توفي سنة مائة وثلاث وتسعين. انظر: البداية والنهاية 10/ 230 والأعلام 8/ 62.
(4) الدر النضيد ق 7 أ.
(5) اسمه عوف أو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة من بني بكر بن وائل، شاعر جاهلي، أحد عشاق العرب المشهورين بذلك وصاحبته أسماء بنت عوف بن مالك بن ضبيعة، ولد باليمن، ونشأ بالعراق وكان كاتبًا، توفي نحو خمس وسبعين قبل الهجرة. انظر: الشعر والشعراء 1/ 210 والأغاني 6/ 136 - 137 والأعلام 5/ 95.
(6) اسمه عدي بن ربيعة، وقيل: امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب ابن تغلب أخو كليب وائل الذي هاجت بمقتله"حرب البسوس"، وهي حرب بكر وتغلب ابني وائل، وسمي مهلهلًا؛ لأنه هلهل الشعر أي أرقه. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 39 - 40 والشعر والشعراء 1/ 297 والمؤتلف والمختلف 11 وشرح شواهد المغني 2/ 656 وخزانة الأدب 2/ 164.
(7) هو علقمة بن عَبَدة بن ناشرة بن قيس، من بني تميم، ويقال له علقمة الفحل، عده ابن سلام ضمن الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، توفي نحو عشرين قبل الهجرة. انظر: الشعر والشعراء 1/ 218 وطبقات فحول الشعراء 1/ 137 والأعلام 4/ 247.