العذاب حتى لفظ روحه، ولما انتهى هذا الخبر إلى حكومة النمسا أرعدت وأبرقت، على أن الجبليين أنكروا ما نسب إليهم، والله أعلم.
وذكر حضرة كامل بك تيمور التاجر الإسكندري الذي سافر إلى البلقان في مهمة خيرية أنه قابل قنصلي النمسا وإنكلترا في مناستر، فعلم منهما ومن مفتي تلك المدينة أن مناستر كان فيها يوم وصوله خمسة عشر ألف مهاجر بلا مأوى ولا غذاء، وأن خمسة آلاف وستمائة فقط كانوا ينالون جراية يومية من الخبز لا تزيد عن نصف أقة لكل واحد، وذاك على يد قنصلية إنكلترا التي كانت تتلقى من جمعية الصليب الأحمر في لندرا، ومن جمعية إعانة مقدونيا ما يكفي لإطعام ثمانمائة نفس، وعلى يد السيدة مكين التي كانت تتلقى ما يكفي لغذاء ألف نفس، «وكان عند السيدة المذكورة مستشفى للمهاجرين مشتمل على ثلاثين سريرًا.» وعلى يد جمعية المبشرين الأمريكيين الذين كانوا يطعمون ثمانمائة شخص، ثم على أيدي الراهبات اللواتي كنَّ يطعمن ألف نفس، ويد قنصلية النمسا التي كانت تسعف ثمانمائة شخص، أما بقية المهاجرين وهم نحو عشرة آلاف، فكانوا يموتون جوعًا وبردًا، والمرجح أن قيمة ما نهب من المسلمين في ولايات أدرنه وسلانيك ومناستر وأسكوب يبلغ - على تقدير الكاتب - نحو مليار من الفرنكات.
ونشر الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين بعض رسائل من المبشرين المسيحيين مشتملة على وصف عدة فظائع اقترفها البلقانيون، وهذا موجز ما كتبته البعثة الكاثوليكية بمقدونيا في 21 نوفمبر من يانيجه: لما دخل اليونانيون المدينة كان عندنا وعند الراهبات نحو ألفي نفس، فجاء اليونان وانتزعوهم من أيدينا برغم تضرعنا إليهم، ثم أخذوا يُذبحونهم أمامنا وأمام الراهبات جماعات جماعات. وبعد ذلك جعلوا يحرقون الأسواق التركية التي نهبها الأهالي، وما زال في يانيجه حتى الآن بضعة آلاف من اليونان وهم ينهجون نهج إخوانهم في سلانيك، فيسرقون وينهبون وينهكون حرمة النساء، ولا تنحصر فظائعهم في يانيجه وحدها بل تتعداها إلى الدساكر والقرى المجاورة لها، ثم إنهم يُظهرون التعصب الشديد على كل إنسان لا يذهب مذهب الأرثوذكس، بل هم يتعدون هذا الحد بإساءتهم إلى البلغاريين الأرثوذكس، فقد أخذوا من شيخ بلغاري مسكين ستة وثمانين خروفًا ولم يدفعوا ثمنها.
ثم قالوا في كتابٍ ثانٍ من تلك المدينة أيضًا: إن اليونان والبلغار يسلكون مسلكًا دنيئًا في مقدونيا، والنصارى الساكنون في القرى يذبحون المسلمين وينزعون الحلي من آذان النساء ويعتدون عليهنَّ. وحدث في براجوتوفو أن النساء والفتيات لجأن إلى الأديرة بعد قتل الرجال، ولكن الأهالى المسيحيين هجموا عليهن وقتلوهنَّ، وفي دولني يورسي أخذ المسيحيون يضربون الترك رجالًا ونساءً وصبيةً بالسياط ثم يُمزقونهم جرحًا وطعنًا، وفي جالدينوفو لم يُبقِ المسيحيون من الترك أحدًا وهلم جرَّا، قال رئيس تحرير الماتين - وصدق في قوله: «ومما يزيد تلك الفظائع هولًا أن رجال الدين المسيحي هم الذين يشهدون بها.»
وكتب أحد مراسلي جريدة كيلوزيتويغ أن جماعة من القسوس في مقدونيا نشروا رسالة قالوا فيها: إن الواجب المفروض على كل مسيحي أن يقدم روحًا إسلامية على هيكل الكنيسة، فكان لتلك الرسالة صدى عظيم عند البلغاريين، ثم أخذوا يعملون بوصيته، وقد امتد الاعتداء إلى المساجد فنكست المنابر وأُلقيت خزائن الكتب، فأثر في نفسي هذا العمل تأثيرًا شديدًا، ولعنت تلك المدنية «الحمراء» .
وذكر مراسل جريدة المساجيرو الإيطالية أن الصربيين أفرغوا كل جهدهم في قتل المسلمين الألبانيين، وضربوا المدن التي احتلوها بدعوى أنهم وجدوا فيها مقاومة، وذبحوا كثيرين بينهم عدد كبير من النساء.
ونشرت جريدة كونيش زيتونغ كتابًا في شأن الفظائع التي ارتكبها البلغاريون «في قوله» قال كاتبه: «وصلت خمس عصابات بلغارية منذ شهر فأسرت الحاكم وأعلنت أن مدينة قوله صارت بلغارية، فابتهج الأعيان بقدوم هؤلاء اللصوص، ثم وصل أيضًا نحو ثلاثين لصًا من الطراز نفسه وأخبروا بأن آلايًا بلغاريًّا وصل إلى هناك، فخرجت المدينة في 10 نوفمبر لاستقبال ذاك الآلاي وسار مطرانها في مقدمة المستقبلين، ثم أخذت النساء تزين بنادق الجنود واللصوص البلغاريين بالأزهار والرياحين، وقرعت جميع الكنائس أجراسها. ولما كان اليوم الثاني شرعوا يطاردون الأتراك ويقتلون أعيانهم بلا محاكمة، ويرتكبون أعمالًا وحشية في معاملة أناسٍ ليس لهم من ذنبٍ إلا كونهم مسلمين، وعند نصف الليل كانوا يخرجون بالسجناء فينزعون قمصانهم وكل ما يستر عورتهم ثم ينحون عليهم طعنًا بالحراب في أدق الجهات شعورًا من أجسامهم، ويضربونهم بأخشاب البندقيات حتى يخرجوا أرواحهم، وقد أعدموا على هذا النمط ستة وثلاثين في الليل الأول لوصولهم، وخمسة عشر في الليل الثاني، وثمانية في الليل الثالث وهلم جرَّا، حتى بلغ الذين قتلوا في قوله وحدها مائة وخمسة عشر، ثم اعتدوا على أعراض النساء والبنات اللواتي قُتل رجالهنَّ.
أما في سرس فإن الأتراك أخذوا يُدافعون عن أنفسهم فقتلوا جنديين من الصربيين، فلما علم الضابط الصربي بقتلهما فتح ساعته وقال لجنده: «نحن في الساعة الرابعة بعد الظهر فيمكنكم أن تفعلوا ما تريدون منذ الآن حتى الساعة نفسها بعد ظهر غد.» فما صدر هذا الإذن إلى تلك الوحوش الكاسرة حتى هجموا على الأتراك فقتلوا منهم في أربعٍ وعشرين ساعة 1200 أو 1900 على رواية أخرى.»