فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 121

ولما دخلوا دراما قطعوا رأس أحد الأتراك ونصبوه على صندوق، ثم وضعوا بين شفتيه غليونًا.

وقبض جماعة من الجبليين على ضابط عثماني فقطعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه قبل موته، فرسمته جرائد الأستانة وبعض الجرائد الأوروبية، ووضع بيير لوتي الكاتب الفرنساوي ذاك الرسم الفظيع على صدر كتابه «تركيا المحتضرة» .

وأحرقت العصابات 38 قرية من 98 في قضاء كاوردار، وذبحت جميع أهالي درينوفو، وحفرت بين هذه القرية وباليكورا عدة قبور دفنت فيها الذين عذبتهم وهم في قيد الحياة أو على وشك الموت، فكان عابر السبيل يبصر رءوس تلك الضحايا نابتة من الأرض على شكلٍ فظيع.

وحدث أن إحدى السيدات المسلمات رأت بعينها رجال بعض العصابات البلغارية يعتدون على ابنتها، فأخذت بندقية وأطلقتها على البلغاريين فكان عملها سببًا في مذبحة هائلة، ومما فعله أولئك الوحوش أنهم حبسوا النساء والبنات في إحدى القهوات وأحرقوها بهن، ثم ارتكبوا مثل هذا الجرم في كوركوتوفو، فأحرقوا نساءها وهن داخل مسجد.

ونشرت جريدة ريشبوست تقريرًا مفصلًا عن الفظائع التي ارتكبها الصربيون في ألبانيا، وخلاصة ما تضمنه أن الصربيين أبادوا أهالي مدن بأسرها، وأنهم ذبحوا في ولاية قوصوه وحدها 25000 نفس، ثم طلب واضع التقرير من الدول الأوروبية أن تؤلف لجنة تحقيق للتثبت من حقيقة تلك الفظائع.

وقال مراسل الديلي تلغراف: إن المراسلين الحربيين من نمساويين وإنكليز وإيطاليين ونرويجيين أظهروا الفظائع التي ارتكبتها الجنود الصربية في كثير من جهات مقدونيا، أما الفظائع التي ارتكبتها في ألبانيا فيظهر أن الخوف من إمكان نشوب حرب أوروبية عامة حوَّل عنها الأفكار، ولكن الاهتمام بها عاد في هذا الوقت (أوائل يناير) ، فجمعت الحكومة النمساوية جميع التقارير المشتملة على أخبارها، وقد سنحت لي فرصةٌ للاطلاع عليها فوجدت أن جنود الجنرال يانكوفتش أعادوا في القرن العشرين جميع ضروب الاضطهاد القاسي التي رواها التاريخ، فإنهم لم يكتفوا أيام زحفهم في الأنحاء الألبانية بذبح الألبانيين المسلحين غيلةً وخداعًا، بل دفعهم التوحش إلى قتل أناسٍ عُزلٍ من السلاح والفتك بالشيوخ والنساء والأولاد حتى الأطفال الرضع، ومما قاله الضباط الصربيون وهم في سكرة النصر: إن خير وسيلة لنشر لواء الراحة والسلام في ألبانيا إنما هي إبادة المسلمين فيها، وما اتصل هذا الكلام بآذان الجنود الصربية حتى أسرعت إلى إنفاذه، فبلغ عدد الذين أعدموا فيما بين كومانوفو وأسكوب 3000 نفس، وعند برشتينا 500، وما كان هذا الفتك بهم في معركة شريفة، بل في عدة مذابح لا يمكن تبريرها، وقد اخترعت الجنود الصربية لتبريد شوقها إلى الدم أساليب جديدة فكانت تحيط بالمنازل وتشعل فيها النيران، ثم ترمي بالرصاص كل من يطلب الخلاص، وتعمد إلى قتل الرجال أمام نسائهم وأولادهم ثم تضطر الوالدات البائسات إلى حضور مشهد الفتك بأبنائهن وتقطيعهن إربًا إربًا.

وكان الإعدام اليومي سلوان الجنود الصربية، فإنها كانت تقبض على كل من تجد عنده سلاحًا ثم تقتله شنقًا أو رميًا بالرصاص، وقد أعدمت في يوم واحد وثلاثين نفسًا، وبلغ توحشها إلى حد أن الصربيين المقيمين في بلاد المجر أظهروا استياءهم من المذابح التي ارتكبها إخوانهم في ألبانيا، فإن الموسيو توميتش الذي كان سكرتيرًا للموسيو باسيتش رئيس الوزارة الأسبق، روى أنه لما سافر من بريزرند إلى إيبك لم يجد على جانبي الطريق إلا قرى محرقة ومهدمة حتى مستوى الأرض، وكانت الدروب مزروعة من المشانق والجثث معلقة بها ولا سيما درب ديا كوفيتزا.

وروت جرائد بلغراد نفسها بعض ما كانت جنود الصرب تجترمه من القسوة والتوحش، فمن الروايات التي لم تخجل من نشرها أن الكولونل أوبستش لما دخل بريزرند مع ألايه صاح في جنوده «ألا فاقتلوا» ، فهجمت الجنود على المنازل وفتكت بكل من وقع تحت يدها، ولو عدت الجنايات التي ارتكبتها الجنود الصربية في برلبه وقوصي وفرسيريزا لعادلت كل ما قاساه الألبانيون في مدة الحكم التركي.

ثم روى المراسل نفسه في موضع آخر نقلًا عن تقارير الحكومة النمساوية أيضًا أن الصربيين كانوا يذبحون الشيوخ والنساء والأطفال، وأن الجنرال ستفانوفتش أوقف مائتي أسير صفين متناسبين وأخذ يطلق عليهم قنابل الميتراليوز، وأن الجنرال زيفكوفتش قتل 950 عينًا من الألبانيين والأتراك بحجة أنهم أبدوا بعض المقاومة.

وأرسل المستر مرمدوك بكثول الكتاب الآتي إلى جريدة التيمس: إن شهرة التيمس باستقلال الرأي تحملني على الرجاء منكم أن تسمحوا لي بتوجيه الخواطر على صفحات جريدتكم إلى حالة مسلمي مقدونيا، فقد دلت الأخبار التي جاءتني وجاءت غيري أن هناك مكيدة مدبرة لذبح غير المقاتلة من الرجال والنساء والأولاد، وقد بدأت المذابح منذ أسابيع ولا تزال قائمة حتى الآن، وليس لها غاية إلا إبادتهم عن آخرهم، ويقال: إن عدد الضحايا (وفي جملتهم الهاربون) زاد كثيرًا حتى الآن على نصف مليون نسمة، والواقع - إذا صحت الأنباء التي وصلتني، وليس هناك ما يحملني على الارتياب في صحتها البتة - أن أفظع المذابح في العصور الحديثة تجري باسم المسيحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت