قال الموسيو جورج ميشيل: «إن صديقًا قديمًا لذاك المراسل خبرني مع التحفظ أنه «اشترى» عضوًا من أعضاء المؤتمر، وهذا الخبر لا يقبل التصديق لأول وهلة، ولكن من يتذكر ثروة التيمس الطائلة وبراعة مراسلها الهائلة ثم يتذكر من جهة أخرى أن بعض أعضاء الحكومات البلقانية كان فقيرًا، يجد الأمر ممكنًا.»
وقيل: إن البرنس بسمرك بقي بعد المؤتمر مهتمًّا اهتمامًا شديدًا بمعرفة الوسيلة التي توسل بها مراسل التيمس، وكان يعرف أنه يحب الحِسان فأرسل إليه جاسوسة أجنبية جميلة لتتعشى معه، ولما ظنت أن الفرصة موافقة لسؤاله عن السر حاولت استطلاعه، ولكن الموسيو بلويتز لَحَظ من جهة أن في المحل مرآة مكسورة وظن أن وراءها أحدًا، وكان من جهة أخرى يعرف استخدام النساء في التجسس، فالتفت إلى الجاسوسة الحسناء وقال لها: «أيتها العزيزة لا يمكنِّي أن أخفي عنك شيئًا فاعلمي أني حصلت على أخباري من البرنس بسمرك نفسه ... »
وروى أن البرنس دي بسمرك صار يبغض الصحافيين بغضًا شديدًا من أجله، ولكن هذا البغض لم يكن ليمنعه من اللياذ بهم في ترويج الأفكار السياسية والمشروعات الاقتصادية التي كان يراها مفيدةً لألمانيا.
وليس بمنتقد على كبار السياسيين ولا سيما قواد الجيوش أن يكون خوفهم كبيرًا من الصحافيين في بعض المواقف الحرجة، فإن الصحافة على كونها قوة كبيرة محترمة في أوروبا لا يستطيع أقطاب السياسة وأمراء الجيوش أن يدخلوا أصحابها في جميع مجالسهم، أو يوقفوهم على سرائرهم حين تكون المسألة لدى وطنهم مسألة موت أو حياة؛ لأن من يفكر في الحالة النفسية التي طُبع عليها الصحافي الحقيقي، ويعلم أن له من نفسه دافعًا قويًّا إلى التنقيب عن الأخبار، ووصف المشاهد، وانتقاد الأمور أو استحسانها، وأن هذا الدافع كثيرًا ما يشتد إلى حدٍّ لا يمكن معه كتمان ما حُرم نشره، يعلم أيضًا أن السياسي الذي يمهد السبيل لاتفاق أو محالفة دولية، والقائد الذي يضع خطةً حربيةً ربما كان علمُ العدو بها مجلبةً لفشل جيشه، لا يمكن لومه إذا بالغ في التكتم كما فعل اليابانيون وأخذ عنهم البلغاريون.
تصور مثلًا أن القواد البلغاريين الذين كان لديهم أربعة وثمانون مراسلًا حربيًّا على رواية الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي، والذين كانت مصلحتهم الحيوية تقضي - كما اشتهر - بأن يضربوا ضربة سريعة قبل أن يتم حشد الجيش العثماني - تصور أن هؤلاء القواد سمحوا للمراسلين أن يفعلوا ما فعلوه في حرب السبعين بين الفرنساويين والألمانيين، فهل كان في وسعهم أن يبقوا خطتهم سرية، ويسيروا عليها بتلك السرعة التي بدت منهم أمام الجيش العثماني الشرقي؟ إن الجواب لا يحتمل التردد.
على أن الصحافي من جهة أخرى يلزمه أن يقوم بواجبه ويُرضي جريدته وقُرَّاءه، والصحافة دولة في دولة عند الغربيين فلا مندوحة عن التوفيق بين المهنة الصحافية والمصلحة الكبرى المعرضة للخطر، ولا وسيلة إلى هذا التوفيق إلا بقبول الصحافيين في الحروب وتقييدهم بشروط، وإذا أراد المطالع أن يعرف مبلغ الصعوبة التي يُقاسونها في إرسال الأخبار، فليقرأ هذا الأمر الذي أصدره رئيس أركان حرب الجيش البلغاري: إلى المراسلين الحربيين
لا يجوز للمراسلين الحربيين أن يرسلوا إلى جرائدهم أخبارًا عن الأمور الآتية: أولًا: نظام الجيوش، أو تفريقها، أو عددها، أو مقاصد قوادها ومشروعاتهم الحربية.
ثانيًا: ترتيب الجنود، والمحلات التي تقيم فيها، وأشخاص قوادها وأركان حربها، ومؤخرة الجيش، والجنود الاحتياطية التي عنده.
ثالثًا: تسليح الجيوش والقلاع، وأحوال المواقع، وإدارة الميرة والذخيرة، والحالة الصحية.
رابعًا: تأثير المقذوفات، وصحة رماية الأعداء.
خامسًا: الاستعداد، وإرسال الجنود إلى إحدى الجهات، والطرق التي تتبعها، أو وصولها، أو تعزيزها، وما يتعلق بالقوة البحرية التي تشترك في عمل حربي.
سادسًا: حالة الخطوط الحربية التي تنقل عليها الجنود والأثقال، وحالة الجسور والطرق القديمة والحديثة في منطقة الأعمال الحربية.
سابعًا: الأخبار التي حصلت عليها «إدارة المخابرات» البلغارية أو بلغتها من الأهالي عن جيش العدو، حينما يكون نشرها مُضرًّا بعمل تلك الإدارة.