ثم ذكرت وزارة الخارجية الروسية أن ملك الجبل لم يشاور روسيا قبل إعلان الحرب كما تعهد لها. ومع ذلك فإنها ساعدته وقرر مجلس أمتها أن ينفح مملكته بتسعين ألف جنيه بعد إخراج الجيش الجبلي من أشقودره.
وكلما دقق الباحث النظر وأعمل الفكر في حالة النمسا، رسخ عنده أن مسألة الصقالبة التي تريد روسيا الإشراف عليهم - ومن جملتهم الصربيون والجبليون - هي مسألة داخلية وخارجية معًا عند الحكومة النمساوية، ومما كتبته يد المقدور للنمسا أنه كلما ازدادت أراضيها ازداد معها ضعف الوحدة الجنسية، وأن عظمتها في البلقان تكون على حساب تلك الوحدة، قال الموسيو هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقًا: «إن الربح الذي نالته النمسا بضم البوسنة والهرسك إلى أملاكها ذو قيمة كبيرة، فإنها ضمت إليها أوسع أرض نالتها دولة أوروبية عظيمة منذ سنة 1870 من غير أن تطلق رصاصة أو تمتشق سيفًا، ولكن هذا الربح لم يأتها إلا مصحوبًا بالمسئولية؛ لأنها زادت العنصر الصقلبي في داخلية بلادها من جهة، وأغضبت العنصر الصقلبي الخارجي من جهة أخرى.»
ثم أرادت أن تتوج تلك السياسة البلقانية بفوز آخر فنالت من أوروبا ترضية عظيمة وجديرة بالنظر، وهي تأسيس ألبانيا مستقلة فوطدت مطامعها في قلب شبه الجزيرة وعلى الهضاب التي تشرف عليها من كل جانب، ولا غرو فإن إنشاء ألبانيا جديدة تحت حماية النمسا يجعل للنمساويين النفوذ الأكبر في البلاد البلقانية، على أن كل إنسان يدرك ما يقابل تلك المنافع من الأضرار بالوحدة الجنسية في سائر الإمبراطورية النمساوية، وإذا كانت براعة الإدارة تخفف الأضرار التي تنشأ من هذا الوجه في البوسنة والهرسك، فكيف تكون الحال في ألبانيا المستقبلة التي تقامر بها حكومة النمسا في هذا الوقت؟»
تلك صفوة ما يقال عن تنافس الدولتين اللتين ظهرتا كثيرًا في صدر المرسح السياسي مدة الحرب، وهناك دولة تُعد مصالحها حيوية في بعض تلك الأنحاء وتسير مع النمسا خطوة فخطوة، لا حبًّا فيها بل خوفًا من طمعها وهي حليفتها الدولة الإيطالية، فإن منافستها للنمسا في جهات البحر الأدرياتيكي مشهورة، وأصعب عقدة من عقد التنافس الأدرياتيكي بين إيطاليا والنمسا، ذاك التنافس الذي يتعلق أمره بالسلم الأوروبي، إنما هي في جهة ألبانيا؛ ولذاك ترى الحكومتين اللتين تخيفهما نتائج ذاك التنافس تتشبثان بالحالة الحاضرة حُبًّا في السلم.
وإذا كانت النمسا تعتبر نفسها صاحبة السيادة في أشقودره وغيرها بفضل حمايتها للكاثوليك، وبمساعدة رؤساء الأساقفة والأساقفة والقسوس الفرنسيسكانيين والديور التي تنفق من مال النمسا، وبالمعاهد والعمال والمدارس التي أنشئت حتى في آخر قرية ألبانية، أو بالبنك النمساوي؛ فإن إيطاليا من جهة أخرى أقامت معهدًا أمام كل معهد نمساوي، وعندها مستشفى إيطالي أمام المستشفى النمساوي في أشقودره، وجمعية دانتي أنشأت «المدارس الملكية» الإيطالية لدى المدارس النمساوية، ولغة إيطاليا هي اللغة التجارية في جهات الأدرياتيك، والتقاليد الإيطالية متبعة هناك؛ فلذا يصعب علينا أن نسلم بأن ورثة جمهورية البندقية يتنازلون عن التركة التي خلفتها لهم، وإذا كانت إيطاليا والنمسا تسيران كتفًا لكتف في مجال السياسة كما ظهر من أقوالهما وأعمالهما في الأطوار التي دخلت فيها الحرب، فليس هذا التكاتف إلا لغرضين؛ أولهما: صيانة المصلحة الأوروبية الكبرى التي تقضي على إيطاليا بأن تحتفظ بها، ولا يمكن هذا الاحتفاظ إلا بالتضامن مع حلفائها، والغرض الثاني: هو منع النمسا - تلك الحليفة المنافسة المشاكسة - من العمل وحدها على احتكار المنافع في ألبانيا والأدرياتيك، وما دامت المصلحة الأوروبية الكبرى تقضي بإبقاء التحالف معها، فلا وسيلة إلى ذاك المنع إلا السير بجانبها ومراقبة كل ما تفعله عن كثبٍ حتى لا يحرم الطليان من الغنائم المستقبلية، ولا يشك أحد صادق النظر في أن غيرة النمسا وإيطاليا على ألبانيا لم تكن لوجه الحق الكريم، فقد يأتي يوم تحسر فيه كل واحدة من هاتين الدولتين عن ساعدها فتنقلب منافستهما السلمية الحاضرة إلى منافسة عدائية، وهو أمر راجح تتوقعه صحف الطليان منذ الآن.
أما فرنسا وإنكلترا وألمانيا، فقد كانت الأولى منهنَّ تؤيد روسيا بحكم المحالفة الثنائية، والثانية تؤيدها بحكم الاتفاق الودادي، والثالثة تؤيد النمسا وإيطاليا بحكم المحالفة الثلاثية.
على أن كل دولة منهن لم تكن تدفع تأييد حلفائها وأصدقائها إلى حدٍّ مضرٍّ بالسلم العام، بل كانت كلها - ولا سيما فرنسا - تشتغل بيمناها لحفظ ذاك السلم وتعمل بيسراها على تأييد حزبها الدولي.
بيد أن جملة من الكُتاب - ومنهم الموسيو هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقًا - كانوا يعتقدون أن السلم والحرب في تلك الأزمة كانا منوطين بسياسة إنكلترا وألمانيا على الأخص، وأن وقوف هاتين الدولتين العظيمتين وراء مرسح السياسة أشد تأثيرًا عند المفكرين من ظهور روسيا والنمسا في مقدمة المرسح، وإكثارهما من صليل السلاح، وليس هذا الرأي ببعيد عن الصواب؛ لأن النمسا لا تُقدم على المخاطرة إلا إذا رأت من ألمانيا دافعًا، كما أن روسيا تلتفت مرارًا إلى إنكلترا لتعرف رأيها قبل أن تجعل القول الفصل للسيف والمدفع، ولقد دلَّت الحوادث على أن الدولتين أرادتا التوازن لا الحرب.