الصغرى»، وجاءت أيام بعد وصول البلغاريين إلى جتالجه سمع فيها العثمانيون اقتراحات تمجها آذانهم إشفاقًا وتخفق منها قلوبهم فَرقًا، فكان بعضهم يقترح تحويل الأستانة إلى إمارة مستقلة، وأناس يتوقعون أن تأخذها روسيا، ثم زادت الأقاويل وتنوع التخمين بعد أن أرسلت الدول المذكرة التي حضت فيها الحكومة العثمانية على قبول شروط الصلح، وألمعت إلى خطرٍ يهدد الأستانة والبلاد العثمانية الأسيوية إذا أصرت الدولة العلية على رفض تلك الشروط.
بيدَ أن الدول العظمى رأت بعد التنافس والتنافر أن تُبقي باب المسألة الأسيوية مقفلًا فسكنت الخواطر واطمأنت القلوب في السلطنة.
ومما يصح إدخاله في نتائج الحرب البلقانية أن الحكومة الألمانية لما رأت النصر يكلل هام البلقانيين، ورأت روسيا وسائر دول الاتفاق الثلاثي تشد أزرهم، قالت: إن توازن القوات الأوروبية أصبح مختلًّا بعد ما أظهرته ممالك البلقان، فقررت أن تسن قانونًا جديدًا يقضي بزيادة الجيش الألماني العامل من 600 ألف إلى نحو 900 ألف جندي، فما ترامى هذا الخبر إلى فرنسا حتى اضطربت من شرقها إلى الغرب وجنوبها إلى الشمال، وهبت جرائدها تلحُّ في وجوب تعزيز الجيش الفرنساوي العامل؛ لأن قوة الجيش الألماني المُعد للصدمة الأولى ستربو بعد زيادته نحو 35 في المائة عن قوة الجيش الفرنساوي المعدِّ للغرض عينه، ومما زاد الفرنساويين قلقًا وتطيُّرًا أن الحالة المالية في ألمانيا لم تكن تسمح بإثقال عاتق أمتها، ولا سيما بعد أن قامت بمشروعين حربيين في سنتي 1911 و 1912، فتركا عجزًا مذكورًا في الميزانية العامة؛ لذلك كله لم يصدق الفرنساويون أن غرض ألمانيا الوحيد هو حفظ التوازن العسكري بعد ما أبدته الممالك البلقانية من القوة، بل خافوا أن يكون غرض ألمانيا المستور ما نُسب إلى أركان حرب الجيش الألماني من عهد قائدهم الكبير مولتكي، وهو أن تجعل ألمانيا جيشها العامل قادرًا على ضرب الجيش الفرنساوي العامل ضربة سريعة قاضية، فيخترق صفوفه من ثلاث جهات حتى يصل إلى الأنحاء التي يعبأ فيها الاحتياطي فيمزقه قبل تعبئته وحشده.
وبعد مناقشات قوية وحملات قلمية، أعادت فرنسا خدمة ثلاث السنوات في جيشها؛ لأن إعادتها تبلغ جيشها العامل إلى نحو 720 ألف رجل.
ثم زادت روسيا جيشها من جهة أخرى وحسَّنت طريقة التعبئة وضاعفت الخطوط الحديدية الحربية في عدة أنحاء، فصار في وسعها أن تعبئ جيشًا جرارًا في عشرين يومًا أو أقل.
ثم قامت النمسا تعزز جيشها أيضًا مجاراةً لحليفتها ألمانيا وحذرًا من دول البلقان التي ظهرت أولًا في مظهر المحترِم لمشيئة روسيا والمحقق لرغباتها.
بيدَ أن الحوادث الآتية ستبرهن لنا على أن البلقانيين وخصوصًا البلغاريين ظهروا قبل فوزهم في مظهر المحترم «لكبيرة الممالك الصقلبية» ، ثم أعرضوا عن مشيئتها بعد فوزهم، فقامت الحرب البلقانية الثانية بين الحلفاء أنفسهم كما سنشرحه.11 بعد الفراغ من طبع هذا الفصل أصدرت الحكومة العثمانية أوامرها بإصلاحات تشتمل على بعض ما جاء في الاتفاق الذي أكد رجال اللامركزية عقده وإبرامه بين مندوب الحكومة الاتحادية والمؤتمر العربي السوري الذي اجتمع في باريس، أما بقية تلك الإصلاحات فتختلف عما جاء في ذاك الاتفاق، وأهم وجوه الاختلاف؛ الاقتصار على التدريس باللغة العربية في المدارس الإعدادية والمدارس الابتدائية، مع أن المطلوب إقامة المساواة بين اللغتين العربية والتركية، وهناك بعض عبارات مبهمة تحتمل التأويل ويمكن معها التملص، فلهذا عاد الخلاف بين الحكومة واللامركزيين، فنرجو أن يكون هذا الخلاف سحابة صيف ...