فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 121

بأدرنه وبحدود موافقة للمصلحة العثمانية. وليسمح لنا القارئ هنا أن نوضح ما تضمنته دعوى الحكومة العثمانية من لباب الصواب فنقول: أما قولها أن الحق الدولي كان في جانب العثمانيين فرأس البراهين عليه هو أن معاهدة لندرا تتضمن مادة صريحة جلية، تقضي بأن الصلح لا يكون نهائيًّا إلا بعد تصديق الملوك والحكومات، والمعروف المؤكد أن هذا التصديق لم يتم وأن حكومة اليونان لم توقع على شروط المعاهدة، وهذا هو السبب الذي حمل السير إدوارد غراي وزير خارجية إنكلترا على التصريح بأن القانون الدولي لا يحول دون عمل تركيا،1 وأن اعتبارات أخرى توجب جلاءها عن أدرنه. ومما ذكره نظامي باشا المندوب العثماني الأول في مؤتمر لندن لمراسل الماتين في الأستانة: «أنه لما عُرض علينا نص المعاهدة لنوقع عليها؛ دُهشنا عندما قرأنا في المادة الأولى منها أن الصلح لا يصير نهائيًّا إلا بعد التصديق، فطلبنا حذف هذا الشرط وعقد الصلح النهائي في لندرا، فأجابنا مندوبو المتحالفين بالرفض.» فهل يصح مع ذاك كله أن تُتهم الحكومة العثمانية بخرق حرمة القانون الدولي؛ لأنها اغتنمت فرصةً موافقةً لمصلحتها قبل التصديق على معاهدة الصلح؟ وإذا رجع المطالع إلى ما فعلته رومانيا وجد أن الحكومة الرومانية نبذت قرار مجلس التحكيم الدولي الذي عُقد في بطرسبرج؛ لأن حكمه لم يعجبها ثم عبأت جيشها وغزت البلاد البلغارية الأصلية، فلم تقل لها الدول صاحبة التحكيم إنك احتقرت قرار مندوبينا وأهنتِ أوروبا، كما قال بعضهم للدولة العثمانية حين نبذت معاهدة غير نهائية لتسترجع قسمًا من البلاد التي خسرتها.

وأما كون النظام في الجيش العثماني كان يوجب التمسك بتعديل تلك المعاهدة، فظاهر من أقوال عزت باشا القائد العام للجيش العثماني وأقوال أنور بك وغيره، قال عزت باشا وأنور بك: إنا لا نترك أدرنه إلا بقوة السيف، وهذا القول مع دلالته على اشتغال الجيش بالسياسة، يدل من جهة أخرى على أن الحكومة العثمانية لا يسعها أن تقاوم تيار الرأي الحربي إن رضيت بالجلاء عن أدرنه، وإلا استهدفت للخطر.

وكل من ينظر إلى مشيئة أهالي أدرنه نفسها يجدها تؤيد مطلب الحكومة العثمانية أيضًا. فإن عدد سكان تلك المدينة التاريخية يبلغ نحو خمسة وسبعين ألف نفس بينهم نحو خمسة وخمسين ألفًا من المسلمين، فهل يُعقل أن هؤلاء يفضلون الحكم البلغاري على الحكم العثماني؟ ومما لا ريب فيه أن اليونانيين واليهود في أدرنه لا يختارون حكم البلغار على حكم الأتراك، فلا يمكن بلغاريا والحالة تلك أن تدعي العمل بالقاعدة التي توجب إرجاع البلاد التي يقطنها البلغار إلى بلغاريا وهلم جرَّا؛ لأن دعواها من هذا الوجه تناقض مصلحتها وتتفق مع المصلحة العثمانية، وهاك فحوى مذكرة قدمها وفد مدينة أدرنه لوزارة الخارجية النمساوية، وهو الوفد الذي أرسله الأهالي على اختلاف أديانهم إلى عواصم أوروبا ليقنع الدول العظمى بوجوب إبقاء أدرنه للدولة العثمانية، قال: مضت ستة قرون ونحن نعيش تحت الراية العثمانية فلم يقم لدينا مانع في سبيل القيام بواجباتنا الدينية، ولما هجم البلغاريون بحجة تخليص المسيحيين من ظلم الترك هتكوا أعراضنا وقتلوا أولادنا وجعلوا بلادنا أطلالًا دارسة، فكانوا يعلقون مئات من النساء بشعورهن، ويقتلون من لا يزيد عمره عن ثماني عشرة سنة، ويبقرون بطون الفتيات المسلمات بالحراب، ويغتالون الأجنة في بطون الوالدات، وبالجملة أنهم أنسوا بفظائعهم ما جرى في القرون الأولى، ونحن نجوب عواصم أوروبا لنعلن مظالم البلغار ولا نشك في أننا نفوز بعطف الدول.

ثم قال: إن عدد أهالي تراقيه كلها 1229582 نفسًا، منهم 189000 بلغاري والباقون؛ أي نحو 1200000 نفس هم من المسلمين والبلغاريين والأروام، فكيف يسلم هؤلاء كلهم إلي أيدي البلغاريين.

فإذا كانت أوروبا لا تشفق على أهل أدرنه بل تُصرُّ على تسليمهم إلى البلغار فإن الأدرنيين يؤثرون سفك دمائهم إلى آخر قطرة، وإذا غُلبوا على أمرهم فإنهم يهجرون أرضهم؛ لأنهم لا يريدون عَلمًا غير الهلال العثماني.

أما المذكرات التي قدمها الوفد لسائر الدول العظمى فإنها لا تخرج بمعناها عما تقدم، وكل ناقد بصير لا يسعه أن يقف عند قول البلغاريين: إن القوة العسكرية هي التي أجبرت ذاك الوفد على تقديم تلك المذكرات؛ لأن من يسلم جدلًا بضغط القوة العسكرية، لا يمكنه إلا التسليم أيضًا بأن المسلمين واليونانيين والإسرائيليين - وهم الغالبية العظمى - ينفرون من الحكم البلغاري.

فكل من ينظر إلى ما تقدم ويضيف إليه أن البلغاريين بعد تلوثهم بتلك الفظائع لا يسعهم أن يدَّعوا حب الإنسانية، ولا إنقاذ الأهالي من الظلم التركي، وأن سلامة الأستانة نفسها توجب تغيير خط إينوس وميديا، يعلم أن الدولة أقدمت على العمل بينما كانت دخائل السياسة الأوروبية تشجعها، والحق الدولي بجانبها، ونخوة الجيش العثماني تدفعها، ومشيئة أهالي أدرنه وسلامة عاصمتها وإعادة نفوذها الأدبي توجب الحزم عليها، ثم أضف إلى ذاك كله أن القوة كانت لديها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت