وفجأة هبط على مركزنا الإداري في مركز «أبو العباس» مجموعة من شباب الجماعة الإسلامية المصرية كانوا في طريقهم إلى منطقة «خلدن» حيث هناك أشهر معسكر تدريب خارج نطاق معسكرات القاهدة. وكان عليهم أن يمروا علينا أثناء المسير في منطقة خرمتو. ولما علموا بالعجز الذي نعانيه تطوعت مجموعة منهم لإدارة الراجمة الثانية.
كانت لفتة نادرة للرجولة مازلت أحتفظ بها لهم. ليس هذا فقط بل أنهم أثناء العمليات أظهروا من الهدوء ورباطة الجأش مالا يقدر عليه إلا الأفذاذ من الرجال ولم يتذمروا مطلقًا رغم أنه كان لدينا الكثير من دواعي التذمر.
ولأن راجمتهم كانت في منطقة مسطحة فقد نالها الكثير من القصف الخطير، بالقذائف العنقودية والقنابل الثقيلة. ولكن ثبات هؤلاء الشباب كان عجيبًا لذا فما زلت أعتبرهم أفضل مجموعة عربية عملت معها طول فترة الحرب في أفغانستان. ما أن دخل المجاهدون خوست وسيطروا عليها حتى طلب هؤلاء الشباب المغادرة إلى معسكر خلدن بعد رؤية المدينة التي تم فتحها.
رفضت بأدب وإحراج. فقد كنت بالفعل أخشى من أن ينقلب الموقف فجأة. فهناك حمى من النهب تدور في المدينة والجميع وضعوا السلاح جانبًا ليكونوا أكثر حرية في خطف الغنائم.
كنت أخشى أن تستفيق «قوة ما» للعدو فيتحول الموقف فجأة إلى مهزلة، بل مجزرة مروعة، ويفر هؤلاء على غير هدى وتعود المدينة إلى قبضة القوات الشيوعية.
في الحقيقة كانت تجربة «غزوة أحد» ماثلة أمام ناظري، والعديد من نقاط التشابه لا تحتاج إلى ذكاء لاكتشافها ووقوفنا خلف الراجمات تحت أقدام تلك الجبال وأمام هضاب الخط الأول لضرب طائرات العدو في المطار، ذكرني كثيرًا بموقف الرماة في «أحد» . وقد شرحت لهم ذلك فاقتنعوا ليوم ثم ليومين. ولكن في اليوم الثالث كان الجميع ضدي فاضطررت إلى تفكيك حالة التأهب وتجميع المعدات والتجهيز للرحيل.
وقد ظللنا ليلتين نسهر كالمعتاد وراجماتنا متوجهة نحو المطار على نفس الإحداثيات التي كانت عليها وقت الاشتباك الأخير.
وكان من حولي يضحكون -وإن بفخر- وأنا أقول لهم: «نحن الرماة لن نترك الجبل حتى نتأكد أن العدو قد لفظ أنفاسه الأخير» .