وكالحديث الصحيح المتفق عليه في محاجة آدم وموسى عليهما السلام، عندما تحاجا فقال موسى لآدم: «أنت أبونا الذي خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم عليه السلام: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه تلومني بأمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما» يقول: «فحج آدم موسى» .
وكذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو المسمى حديث الصادق المصدوق الذي يقول في أوله: حدثني رسول الله وهو الصادق المصدوق: «أن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله تعالى الملك فيأمره بنفث الروح ويأمر بكتب أربع كلمات رزقه واجله وعمله وشقي أم سعيد، والله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» فأيضًا أنكروا هذا الحديث وأنكروا كثيرًا من الأحاديث رغم ثبوتها وصحتها لأنها بزعمهم تفضي إلى الجبر.
كما أن أولئك أنكروا كل ما يدل على استقلال العبد بفعله وانه هو الذي يفعل، وبذلك أنكروا كل ظواهر القرآن وصريحه في أن العبد هو الذي يعمل، كقوله تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5 - 10] فأنكروا أن العبد هو الذي يعطي أو يصدق أو يكذب أو يبخل وجعلوا الفعل كله له تبارك وتعالى.
المقصود أن الله تعالى وفق أهل السنة والجماعة فآمنوا بكل الآيات وبكل الأحاديث وكانوا وسطا بين القدرية والجبرية.
إذا انتقلنا إلى موضوع آخر نجد أيضا هذه الوسطية:
وهو موضوع الصحابة الكرام أصحاب النبي: فالرافضة يلعنون أصحاب النبي بل يكفرونهم إلا نفر يسير معدودين -يقولون أنهم علي وأصحابه الذين والوه- والخوارج بالمقابل يكفرون علي بن أبي طالب وعثمان رضي الله تعالى عنهما ويكفرون من والاهما.
فوفق الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة -أهل الدليل والاتباع والأثر- فهم يوالون أصحاب رسول الله جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحدًا منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم ومن السابقة ومن الإحسان، ويؤمنون بان ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فلا يذموهم- كما فعلت الرافضة- ولا يكفرونهم أو يكفرون بعض منهم -كما فعلت الخوارج- وأيضا لا يغلون في حب أحد منهم، حتى أبا بكر الصديق -وهو أجلهم جميعًا- لا يبالغون فيه ولا يرفعونه فوق درجته الحقيقية -كما فعلت الرافضة حين رفعت أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه إلى درجة الألوهية فجعلوه إلها من دون الله