فوفق الله تبارك وتعالى أهل السنة، فكانوا الأمة الوسط بين هؤلاء وهؤلاء.
وإذا انتقلنا إلى باب آخر من أبواب العقيدة والإيمان:
ننتقل إلى باب القدر: الذي ضلت فيه العقول والافهام التي ابتعدت عن كتاب الله وسنة رسوله، وفق الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة فكانوا على الجادة والصراط المستقيم.
فان القدرية- أي الذين نفوا القدر ولم يثبتوه- غلوا في تحميل العبد للمسؤولية عند فعل المعصية، فقالوا: العبد مسؤول عما يفعل من المعاصي، وغلوا في ذلك حتى قالوا: إن الله تعالى لم يقدر عليه هذه المعاصي ولم يخلقها، ثم غلوا حتى جعلوا جميع أفعال العبد هو الذي يستأنفها من عند نفسه والله تبارك وتعالى لم يكتبها عليه، ولم يقدرها عليه، وغلا بعضهم فقال لا يعلم الله بها إلا بعد وقوعها! - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- كل ذلك غلو وجموح وجنوح عن الصراط القويم.
فقابلتهم الجبرية وقالوا لا حيلة للعبد ولا إرادة له ولا اختيار، وغلوا في إثبات القدر، حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح لا إرادة له ولا اختيار، فكل الأمور بالقدر وكل شيء قدره الله، حتى إذا فعلوا المعاصي وانتهكوا حرمات قالوا: هذا بقدر الله، وليس لنا بذلك أي ذنب!
وهؤلاء وهؤلاء في ضلال مبين، ووفق الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة فمشوا وتمشوا بصريح القرآن والسنة، فاثبتوا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد كما هو الخالق لكل شيء {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] وفي نفس الوقت اثبتوا أن العبد هو الفاعل، فالعبد هو الذي يفعل أفعاله- كما هو في كتاب الله سبحانه وتعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7 - 8] فالعبد هو الفاعل، والله تعالى هو الخالق، وفعل العبد بناء وبمقتضى مشيئة وإرادة خلقها الله تعالى فيه، وأعطاه إياها، ولكن كما قال: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29] فالمشيئة التي تنفذ وتتحقق ولا يردها شيء هي مشيئة الله تبارك وتعالى، والعبد مع إن له مشيئة يتصرف بها ويكون مسؤولا عما تمليه عليه من الأعمال، إلا أن هذه المشيئة لا تكون إلا بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وكل ذلك في علمه تبارك وتعالى، فهو كما صرح في القران وفي الحديث:
{وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس:12] وكتب مقادير كل شيء عنده قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسون ألف سنة- كما في الحديث الصحيح- فأهل السنة والجماعة لا يردون أي آية ولا حديث في القدر بحجة انه يؤدي إلى الجبر أو يؤدي إلى نفي مسؤولية العبد، ويؤمنون بالجميع.
وأما أولئك، فإنهم لا بد يردوا: فالقدرية النفاة، يردون كل حديث أو آية تدل على إثبات القدر -في بدعتهم تدل على الجبر- كقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [الأنفال:17] .