وزعموا أن نفوس المؤمنين الذين زكيت نفوسهم بمجانبة الهوى وغُذيت بالمعارف المتلقاة عن الأئمة الهداة تتحد عند مفارقة الجسد بالعالم الروحاني الذي منه انفصالها وتسعد بالعود إلى وطنها الأصلي ولذلك سُمي رجوعًا فقيل: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [1] وهي الجنة.
وأما نفوس المعاندين لمذهب الإسماعيلية المعرضين عن تعاليم الأئمة المعصومين تبقى أبد الدهر في النار، على معنى أنها تبقى في العالم الجسماني تتناسخها الأبدان، فلا تزال تتعرض فيها للألم والأسقام فلا تفارق جسدًا إلا ويتلقاها آخر [2] .
ولكن ذهب الدكتور محمد أبو ريان إلى أن الإسماعيلية لا تقول بالتناسخ وإنما تقول بأن الإنسان بعد الموت يتحول جسمه إلى ما يجانسه من تراب، وأما نفسه أو روحه فتصعد إلى الملأ الأعلى، فإن عمل خيرًا في حياته وكان مؤمنًا بالإمام حُشرت نفسه مع الصالحين وقد تصبح ملكًا مدبرًا وهذه هي الجنة، وأما إن أنكر الإمام أو عصاه وكان شريرًا حُشرت روحه مع الشياطين أعداء الإمام وهذه هي النار [3] .
والحقيقة أن من أنكر إيمان الإسماعيلية بالتناسخ يعتمد على بعض كتابات دعاتهم الذين أنكروا التناسخ تقية ولاسيما في العهد العبيدي في مصر لعدم قدرتهم على إظهار هذه العقيدة أو الإشارة إليها ولكن كتبهم التي كُتبت في دور الستر تقول بالتناسخ، ويؤكد هذا قولهم بنقل الإمامة من إمام إلى إمام بتناسخ الجزء الإلهي وحلوله في واحد بعد الآخر، وعلى هذا الأساس آمنوا أن الأنبياء والأئمة خلقوا من نور العقل الكلي، فاعتبروا آدم هو نوح، ونوح هو موسى، وموسى هو عيسى، وعيسى هو محمد فهذه النظرية تقوم على التناسخ حيث جعلت الأنبياء شخصًا واحدًا وكذلك الأئمة حيث يعتقدون أنه تفنى أجسامهم وتبقى أرواحهم تتعاقب على أجساد أخرى وهذا هو عين مذهب التناسخ [4] .
وتعتبر فكرة التناسخ عقيدة قديمة لها جذور في فكر الملل والنحل القديمة وممن قال بهذا فيثاغورس وسقراط وأفلاطون في الفلسفة اليونانية، كما توجد في الفكر الهندي حيث كانوا يعتقدون بأن الروح الواحدة تحل في عدة أجسام، وأن الشخص قد تكون روحه حلت في مئات الأجسام قبله [5] .
(1) سورة الفجر: 27.
(2) انظر: فضائح الباطنية للغزالي ص 29 - 30.
(3) انظر: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام: د. محمد أبو ريان ص 194.
(4) انظر: الحركات الباطنية ص 111 - 112، دراسات في الفرق ص 59.
(5) انظر: الفَرْق بين الفِرَقْ ص 271 - 272، الفكر الإسلامي والفلسفات المعارضة ص 109، الديانات القديمة. محمد أبو زهرة ص 45.