بل إن العقل يدل على بطلان هذا المعتقد؛ لأنه لو كان للنفس وجود في بدن آخر كما يزعمون لتذكرت أحوالها في ذلك البدن لأنها محل العلم والحفظ والتذكر، فلما لم تذكر شيئًا من ذلك ثبت أنها لم تكن موجوة في بدن آخر.
وأيضًا القول بالتناسخ يلزم منه القول بأن عدد الهالكين مساويًا لعدد الموجودين أو الذين سيوجدون، وهذا مخالف للواقع؛ لأنه أحيانًا تأتي أمراض أو فيضانات أو زلازل فتقتل آلاف حتى لا يبقى إلا القليل، كما أن تزايد عدد السكان يومًا بعد يوم يبطل هذه العقيدة الفاسدة.
خامسًا: قولهم بالظاهر والباطن:
يعتبر التأويل بالباطن عند الإسماعيليين دعامة رئيسة يعتمدون عليها في إثبات وجوب الإمامة من ذرية إسماعيل بن جعفر، وقد سبق وتبين أن من الألقاب التي أُطلقت عليهم"الباطنية"وذلك لدعواهم أن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويل، وهدفهم من ذلك إبطال الشرائع والمعتقدات. وهذا دفعهم إلى الاعتقاد بأن إمامهم محمدًا بن إسماعيل"ناسخ وفاتح لعهد جديد، وهو صاحب شريعة عطلت بقيامها ظاهر شريعة محمد" [1] .
وقد ذهبت الإسماعيلية إلى أن لكل شيء ظاهرًا محسوسًا، تأويلًا باطنيًا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم وهم الأئمة، وهؤلاء الأئمة يودعون هذا العلم الباطن لكبار الدعاة بقدر معين، ذلك أن التأويل بالباطن قد خص الله تعالى به عليًا، فكما أن الرسول خُص بالتنزيل، فكذلك علي بن أبي طالب خُص بالتأويل، كما زعموا أن هذا التأويل تسلسل في الأئمة من عقب علي، وهم الذين أشار الله تعالى إليهم: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [2] وهم وحدهم الذين لهم حق تأويل القرآن، بما عندهم من العلوم الباطنية، كما زعموا أن النبي قال:"أنا صاحب التنزيل وعلي صاحب التأويل"فالأئمة إذن هم أصحاب التأويل ولذلك أوجبوا الاعتقاد بالظاهر والباطن وكفروا من يعتقد بالظاهر دون الباطن [3] .
إن اعتقاد الإسماعيلية بالظاهر والباطن أدى بهم إلى تأويل آيات القرآن الكريم حسب أهوائهم مظهرين أن هذا هو باطن الآيات، ويظهر ذلك جليًا في تأويلهم آيات القيامة والبعث، حيث اتفقوا على إنكار القيامة باعتبار أنها رمز إلى خروج الإمام وقيام قائم الزمان، وأنكروا بعث الأجساد والجنة والنار، وقالوا معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله [4] .
(1) مذاهب الإسلاميين د. عبد الرحمن بدوي 2/ 293، الحركات الباطنية ص 97.
(2) سورة آل عمران: 7.
(3) انظر: الحركات الباطنية ص 130 - 131، دراسة عن الفرق ص 213.
(4) انظر: فضائح الباطنية ص 29 - 35.