4 -أن المرتث قد حصل له بارتثاثه رفق من مرافق الحياة فلم تبق شهادته على جدتها وهيئتها التي كانت في شهداء أحد الذين هم الأصل في حكمه، لأن ترك الغسل على خلاف القياس المشروع في حق سائر أموات بني آدم فيراعى فيه جميع الصفات التي كانت في المقيس عليه [1] .
ومسألة ارتثاث الشهيد اختلف الفقهاء في تحديد صورتها بعد أن اتفقوا على أن من أصيب في المعركة وفقد وعيه من جراء هذه الإصابة، بحيث أصبح لا يعقل حتى مات. فإنه يأخذ أحكام الشهيد، سواء نقل من المعركة أم لم ينقل [2] .
وقد يستدل على هذا بما روي أن شماس بن عثمان - رضي الله عنه - أصيب في معركة أحد، فحمل إلى المدينة وبه رمق، فأدخل على عائشة، فقالت أم سلمة: ابن عمي [3] يدخل على غيري؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «احملوه إلى أم سلمة» . فحمل إليها فمات عندها -رحمه الله- فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إلى أحد فيدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها، وقد مكث يومًا وليلة، ولكنه لم يذق شيئًا، ولم يصل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يغسله [4] .
كما ذهب الجمهور [5] ، ورواية عن أحمد [6] إلى أن من أصيب في الحرب وبقي حيًا في مكانه لم ينقل حتى مات وكان ذلك قبل انتهاء المعركة، فإنه شهيد، سواء أكل أو شرب أو تكلم، طالت المعركة أم قصرت.
أما من مات بعد انتهاء المعركة وقد عاش حياة مستقرة فقد اختلف الفقهاء في المرافق التي إذا حصلت له كانت مانعة من الشهادة، ويكون بها مرتثا على النحو التالي:
مذهب الحنفية:
اشترط الأحناف في شهيد المعركة أن لا يكون قد نال شيئًا من مرافق الحياة بعد انتهاء المعركة، وقالوا في صفة المرتث أنه: «من خرج عن صفة القتلى، وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها،
(1) حاشية ابن عابدين: 2/ 251، بتصرف، وانظر الهداية: 1/ 101، وتبيين الحقائق: 1/ 249.
(2) تبيين الحقائق: 1/ 249، الذخيرة: 2/ 476، المجموع: 5/ 261، المغني: 3/ 472.
(3) لأنه من بني مخزوم، فهو شماس بن عثمان بن الشريد بن هرمي بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي (الإصابة: 2/ 155) ، وأم سلمة -رضي الله عنها- من بني مخزوم أيضًا، فهي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية (الإصابة: 4/ 458) .
(4) طبقات ابن سعد: 3/ 245، 246، المغازي للواقدي: 1/ 312، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب: 2/ 157، 158، وابن الأثير في أسد الغابة: 2/ 377، وجاء في المدونة: 1/ 183"عن ابن أبي ذئب قال: صلي على ثابت بن شماس بن عثمان يوم أحد بعد أن عاش يومًا وليلة"، وثابت ابن شماس لم أجد له ترجمة في الإصابة، ولا في الاستيعاب، ولا في أسد الغابة، والله أعلم.
(5) تبيين الحقائق: 1/ 249، شرح الزرقاني: 1/ 109، المجموع: 5/ 261.
(6) الإنصاف: 2/ 502، 503.