فالشهيد: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه، إشارة إلى ما قال الله عز وجل: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا} [فصلت: 30] [1] .
2 -لأن الله وملائكته شهود له بالجنة [2] ، أو بالخير [3] .
3 -لأنه شهد له بالإيمان، وحسن الخاتمة بظاهر حاله [4] .
4 -لأن عليه شاهدًا يشهد بشهادته؛ وهو دمه [5] .
هذه أغلب الأقوال التي قيلت في سبب التسمية، وما لم نذكره فإنه يدخل في بعض هذه الأقوال، ولا يخرج عنها في الغالب.
الترجيح:
من خلال عرض ما سبق من الأقوال، وحيث لم يذكر كثير من علماء اللغة وغيرهم الراجح عند عرضهم لهذه الآراء، بل اكتفوا بعرضها، وأوجه الاختلاف، ومأخذ كل قول.
فقد رأيت أن أقرب الأقوال إلى الصحة -والله أعلم- هو ما رجّحه الإمام السهيلي [6] -رحمه الله- حيث قال -بعد ذكره بعض هذه الأوجه-: «وأولى هذه الوجوه كلها بالصحة: أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول، ويكون معناه: مشهودًا له بالجنة، أو يشهد عليه النبي عليه السلام، كما قال: «هؤلاء أنا شهيد عليهم» ، أي: قّيم عليهم بالشهادة لهم، وإذا حشروا تحت لوائه، فهو وال عليهم، وإن كان شاهدًا لهم، فمن ههنا اتصل الفعل بعلى، فتقوى هذا الوجه من جهة الخبر، ومن وجه آخر من العربية؛ وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر الشهداء قال: «والمرأة تموت بجمع شهيد» [7] ، ولم يقل: شهيدة، وفي رواية أخرى قال: «والنفساء شهيد، يجرها جنينها بسرره إلى الجنة» [8] ، ولم يقل: شهيدة، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، نحو امرأة قتيل وجريح، وإن كان بمعنى فاعل، كان بالهاء، كقولهم: امرأة عليمة ورحيمة، ونحو ذلك.
فدل على أن الشهيد مشهود له، ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح، واستنباط من الحديث
(1) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص 468.
(2) تهذيب اللغة: 6/ 73.
(3) عمدة الحفاظ، ص 279.
(4) تاج العروس: 8/ 255، المطلع، ص 116.
(5) تاج العروس: 8/ 255.
(6) هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد بن عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن الخثعمي السهيلي، الإمام المشهور، الفقيه، الحافظ، الأديب، كان عالمًا بالعربية واللغة والقراءات، بارعًا في ذلك. ولد سنة 508 هـ، له عدة مؤلفات، منها: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، نتائج الفكر في النحو، وغيرها كثير. توفي سنة 581 هـ. انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون، ص 150، تذكرة الحفاظ للذهبي: 4/ 1348.
(7) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، رقم 36.
(8) سوف يأتي تخريجه كاملًا -إن شاء الله- عند ذكر أنواع الشهادة.