الأعمال يعتمد على النظر إلى الظاهر الذي لم يتأكد غيره، وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسناد وتعليق ما يقتضي منع القول بأن فلانًا شهيد، ولا النهي عن ذلك. فالظاهر أن مراد البخاري بذلك أن لا يجزم أحد بكون أحد قد نال عند الله ثواب الشهادة؛ إذ لا يدري ما نواه من جهاده، وليس ذلك للمنع من أن يقال لأحد: إنه شهيد، وأن يجرى عليه أحكام الشهداء، إذا توفرت فيه، فكان وجه التبويب أن يكون: باب لا يجزم بأن فلانًا شهيد إلا بإخبار من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مثل قوله في عامر بن الأكوع: «إنه لجاهد مجاهد» . ومن هذا القبيل زجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم العلاء الأنصارية حين قالت في عثمان بن مظعون: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لها - صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله أكرمه؟» [1] .
ويجاب على أصحاب القول الأول بأن ما استدلوا به من أن السلف قد أجمعوا على تسمية أهل بدر وأحد بالشهداء، إن هذا الاستدلال في غير محله، لأنه قد زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد لهم، خلاف غيرهم مما لم يُعلم حقيقة حاله [2] .
وأما ما روي من آثار عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، فإن هذه الروايات على التسليم بصحتها فإنها حكاية قول معارض لما هو أصرح وأصح، وهو ما رويناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أما إطلاق بعض العلماء لهذه التسميات فإنهم على جلالة قدرهم لا يستدل بأقوالهم بل يستدل لها.
الترجيح:
والراجح فيما ظهر من الأدلة -والله أعلم- أن يقال: إنه لا يشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا إذا توفي بسبب من أسباب الشهادة التي ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد له المؤمنون بذلك، فلا مانع من إطلاق لفظ شهيد عليه، ولا محذور في ذلك، وإن كان فيه شهادة بالجنة. لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه من أنهم «مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجبت. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا
(1) النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح، ص 118، نقلًا عن معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد، ص 320.
(2) أما أهل بدر فقد شهد لآحادهم، مثل حارثة بن سراقة، وقال: «إنه في جنة الفردوس» (أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدر، رقم 3982) . وشهد لجملتهم فقال:"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة. أو قد غفرت لكم" (البخاري، باب فضل من شهد بدر، رقم 3983) . قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - للوقوع، وهذه بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم (فتح الباري: 7/ 356 بتصرف) .
وأما أهل أحد فقد شهد أيضًا لآحادهم كما شهد لعامتهم، فقال:"أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" (أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد، رقم 4079) .