قال القرافي [1] -رحمه الله-: «وأما مطلق التشريك كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد، وليحصل المال من الغنيمة فهذا لا يضره، ولا يحرم عليه بالإجماع، لأن الله تعالى جعل له هذا في هذه العبادة. ففرق بين جهاده ليقول الناس إنه شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، فهذا ونحوه رياء حرام، وبين أن يجاهد ليحصل السبايا، والكراع [2] ، والسلاح من جهة أموال العدو، فهذا لا يضره مع أنه قد شرك ... وكذلك من حج وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصوده، أو كله السفر للتجارة خاصة، ويكون الحج إما مقصودًا مع ذلك أو غير مقصود، ويقع تابعًا اتفاقًا، فهذا أيضًا لا يقدح في صحة الحج ولا يوجب إثمًا ولا معصية، وكذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ويكون التداوي مقصوده، أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك، وأوقع الصوم مع هذه المقاصد لا تقدح هذه المقاصد في صومه. بل أمر بها صاحب الشرع في قوله - صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» [3] . أي قاطع، فأمر بالصوم لهذا الغرض، فلو كان ذلك قادحًا لم يأمر به عليه الصلاة والسلام في العبادات» [4] .
أما إذا شرك في نيته أمرًا محرمًا كالرياء والسمعة والحمية والفخر فإنه يبطل به العمل، فقد جاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا شيء له. ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه» [5] .
6 -وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة [6] ، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله. وأما
(1) هو: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي، المالكي، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب الإمام مالك، كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول، من مصنفاته:"الفروق"، و"تنقيح الفصول". توفي سنة 684 هـ. انظر: الديباج المذهب، ص 62، وشجرة النور الزكية، ص 188.
(2) الكراع: اسم لجميع الخيل. النهاية: 4/ 165.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من استطاع الباءة فليتزوج ..."، رقم 5065. وأخرجه مسلم، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤنة بالصوم، كتاب النكاح، رقم 1400، كلاهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4) الفروق، للقرافي: 3/ 22 - 23.
(5) أخرجه النسائي في سننه، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، كتاب الجهاد، رقم 3140.
وقال عنه الحافظ ابن حجر: إسناده جيد، فتح الباري: 6/ 34. وحسن العراقي إسناده في المغني عن الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، إحياء علوم الدين: 4/ 587.
(6) الكريمة: أي العزيزة على صاحبها. النهاية: 4/ 167.