فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 201

وفي رواية: «الطاعون: غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف» [1] .

وورد من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف» [2] .

ولهذا ذهب البعض إلى أن تشبيه الفرار من الطاعون بالفرار من الزحف يقتضي أنه مثله في كونه كبيرة وإن كان التشبيه لا يقتضي تساوي المتشابهين من كل وجه، من حيث المفاسد المترتبة على كلا الفرارين [3] .

ولذا اشترط لنيل الشهادة في الطاعون الصبر وعدم الجزع والهلع، فقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون؟ فأخبرها أنه: «كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد» [4] .

قال ابن حجر: «مقتضى هذا الحديث بمنطوقه ومفهومه أن أجر الشهيد إنما يكتب لمن لم يخرج من البلد الذي يقع به الطاعون، وأن يكون غير متضجر به أن لو وقع به، فإذا وقع به فأولى أن لا يتضجر ... » [5] .

ثم قال: «ومما يستفاد من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن من لم يتصف بالصفات المذكورة لا يكون شهيدًا، ولو مات بالطاعون» [6] .

وقد جعل ابن حجر الصبر قيدًا في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، ومن مقتضى الصبر عدم الانزعاج أو القلق، فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج ظانًا أنه لو خرج لما وقع به أصلًا فهذا لا يحصل له أجر الشهيد ولو مات بالطاعون [7] .

ومن هذا يتبين لنا فضيلة الصبر وأنه يوصل المرء إلى الجنات، ويعقب صاحبه أعلى الدرجات.

(1) أخرجه أحمد في المسند، الفتح الرباني: 17/ 207 - 208. قال الهيثمي:"ورجال أحمد ثقات". مجمع الزوائد: 2/ 315، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح: 10/ 198.

(2) أخرجه أحمد في المسند، الفتح الرباني: 17/ 207. قال عنه الهيثمي في المجمع: 2/ 315:"ورجال أحمد ثقات"، قال ابن حجر:"وسنده صالح للمتابعات". الفتح: 10/ 198. والحديث صححه الألباني في الجامع الصغير، رقم 4276، وقال عنه في السلسلة الصحيحة: 3/ 282 - بعدما تحدث عن إسناده-:"وبالجملة فالحديث إن لم يكن صحيحًا فهو على الأقل حسن".

(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي: 2/ 174، بتصرف.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب أجر الصابر في الطاعون، من كتاب الطب، رقم 5734.

(5) بذل الماعون، ص 200.

(6) بذل الماعون، ص 200.

(7) فتح الباري: 10/ 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت