الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر» [1] .
ففي هذا الحديث ذكر الصبر وأكده بالإقبال وعدم الفرار، فإن الشخص قد يكون مقبلًا على العدو بصورته وفي قصده أن ينهزم فلا يكون صابرًا، ولو قتل في هذه الحالة فلا يكون شهيدًا، ومتى كان مقبلًا بصورته وقلبه فهو صابر [2] .
3 -وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لقيتموهم فاصبروا» [3] .
4 -وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ من القتل مدبرًا، فعن أبي اليسر رضي الله عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الهرم والتردي ... وأن أقتل في سبيلك مدبرًا ... » [4] .
ومن هذه النصوص اشترط العلماء في الشهادة الصبر وعدم الفرار.
قال النووي -رحمه الله-: « ... وإنما يكون تكفير الذنوب بهذه الشروط المذكورة، وهو أن يقتل صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر ... » [5] .
وقال ابن النحاس -رحمه الله-: « ... وأما مَن فَرَّ حيث يحرم الفرار فقتل مدبرًا، فإنه ليس بشهيد، وإن جرت عليه أحكام الشهداء في هذه الدار» [6] .
ويلحق بالفار من المعركة الفار من الطاعون [7] لما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «الطاعون شهادة لأمتي، ووخز أعدائكم من الجن، يخرج في آباط الرجال ومراقها [8] ، الفار منه كالفار من الزحف، والثابر عليه كالمجاهد في سبيل الله» [9] .
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، رقم 1885.
(2) فتاوى السبكي: 2/ 347 - 348، بتصرف.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الصبر عند القتال، رقم 2833.
(4) أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه الجهاد: 2/ 637، رقم 269. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 1293. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، رقم 1552. والنسائي في سننه، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من التردي والهدم، رقم 5531.
(5) شرح النووي على صحيح مسلم: 13/ 29.
(6) مشارع الأشواق: 2/ 621.
(7) الطاعون: هو وباء من الأوبئة، سنتحدث عنه وعن أعراضه وحقيقته -إن شاء الله تعالى- عند الحديث عن أنواع الشهادة في الفصول القادمة.
(8) المراق: بتشديد القاف: ما رق من أسفل البطن ولان. النهاية: 4/ 321.
(9) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم 5527، وقد حسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب: 4/ 339، والهيثمي في مجمع الزوائد: 2/ 315، والألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم 3946.