وعلى التسليم بتقدير رفعه، فإنه محتمل أن يكون ذلك في شريعة آدم عليه السلام، وهو منسوخ في شريعتنا، وقد قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .
أو يكون المراد هو التعليم، لأنهم كانوا يجهلون ما يفعل بالميت، كما حكى الله ذلك عن ابني آدم في قوله: {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ ... } [المائدة: 31] . الآية. أما غسل الجنابة فإنه بلا شك كان معلومًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام.
وأيضًا فإن غسل الملائكة للجنب لم يرد فيه قولهم: إن هذا سنتكم فيهم أو واجبكم.
وبما أن الآثار التي استدل بها أصحاب القول الأول ليست صريحة الدلالة فيما ذهبوا إليه، ويدخلها عدة احتمالات، فإن الذي يظهر لي هو رجحان القول الثاني، وعدم غسل الشهيد وإن كان جنبًا، إبقاء على الأصل المتفق عليه، وهو عدم غسل الشهيد. والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
مسألة الحائض والنفساء إذا استشهدتا:
الحائض والنفساء إذا استشهدتا وكان ذلك بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، فإن الذي يقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة الشهيد الجنب.
فالخلاف فيهما كالخلاف في الجنب، ونفس المعنى الموجود في الجنب [1] .
أما إذا استشهدتا قبل انقطاع الدم، ففي هذا خلاف مبني على مسألة، وهي: هل الغسل يجب بخروج دم الحيض والنفاس، أم بانقطاعه؟ وتظهر فائدة الخلاف في الحائض والنفساء إذا استشهدتا قبل الطُهر فإن قلنا: يجب الغسل بخروج الدم؛ وجب غسلها للحيض، وإن قلنا: لا يجب إلا بالانقطاع لم يجب الغسل لأن المرأة الشهيد لا تغسل، ولو لم ينقطع الدم الموجب للغسل [2] .
وللحنفية والحنابلة -الذين يرون غسل الجنب- في هذه المسألة عدة أقوال [3] لا نطيل بذكرها، لأنه قد سبق بيان القول الراجح، وهو عدم غسل الشهيد الجنب. والله تعالى أعلم.
3 -شروط القتل في معركة:
اشترط الشافعية [4] كون القتل في معركةٍ، أما إذا لم يكن قتله في معركة فيكون كسائر الموتى، وخالفهم
(1) تبيين الحقائق: 1/ 249، بتصرف.
(2) انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي: 2/ 148 - 149، والمبسوط، للسرخسي: 2/ 58.
(3) انظر: بدائع الصنائع: 1/ 322، المبسوط: 2/ 58، حاشية ابن عابدين: 2/ 247، المغني: 3/ 469، شرح الزركشي على متن الخرقي: 1/ 140، الإنصاف: 2/ 238.
(4) الأم: 1/ 448 - 449، روضة الطالبين: 2/ 119.