ولا إجماع، إلا فيمن قتله الكفار في المعترك ومات في مصرعه- فهؤلاء هم الذين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يزملوا بدمائهم في ثيابهم، ويدفنوا كما هم دون غسل ولا تكفين -ولا يجب فرضًا عليهم صلاة، فبقي سائر الشهداء والموتى، على حكم الإسلام في الغسل والتكفين والصلاة [1] .
الترجيح:
الذي يظهر لي أن الراجح في هذه المسألة -والعلم عند الله- هو القول الأول، لأن الله تعالى كما أمر بقتال المشركين أمر بقتال البغاة في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] .
فكان قتالهم امتثالًا لأمر الله تعالى، فكان جهادًا. قال الصنعاني [2] في تعريف الجهاد: «بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة» [3] .
وجاء في السنة بيان أن المقتول بيد البغاة من خيرة القتلى، وأن قتله شهادة من أفضل الشهادات [4] .
حتى قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إن قتالهم -أي الخوارج- عندي أجل من قتال عدتهم من الترك [5] .
(1) المحلى، لابن حزم: 11/ 349، مسألة 2159.
(2) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني الصنعاني، ويعرف بالأمير، ولد سنة 1099 هـ، محدث، فقيه، أصولي، مجتهد، له مؤلفات نافعة، منها: سبل السلام في شرح بلوغ المرام، تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وغيرها. توفي سنة 1182 هـ. انظر: البدر الطالع، للشوكاني: 2/ 133، معجم المؤلفين: 9/ 56.
(3) سبل السلام: 4/ 53.
(4) ينظر الأحاديث في قتال الخوارج -وهم من البغاة على القول الراجح-:
ففي حديث أبي أمامة مرفوعًا، وفيه:"... كلاب أهل النار، خير قتلى من قتلوه ...". ابن ماجه، المقدمة، باب في ذكر الخوارج، رقم 176.
والحاكم: 2/ 49، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الألباني: إسناده حسن، مشكاة المصابيح: 2/ 55.
وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"... من قتلوه فله أفضل الشهادة ..."الحاكم: 2/ 154 - 155، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتالهم-:"من قتلهم فله أجر شهيد، ومن قتلوه فله أجر شهيدين". قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. المجمع: 6/ 234. وضعفه الألباني. السنة لابن أبي عاصم، ص 438.
(5) السنّة لعبد الله بن أحمد بن حنبل: 2/ 635.