فهرس الكتاب
1)جاء في الحديث الصحيح بمجموع طرقه والذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأهل التفاسير عن عدي بن حاتم الطائي - وكان نصرانيًا ثم أسلم - أنَّه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ قوله تعالى: {اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله .. } الآية، فقال عدي: يا رسول الله ما عبدوهم!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألم يكونوا يحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال - أي يمارسون السلطة التشريعية - فيتبعونهم؟) ، قال: نعم. قال: (فتلك عبادتهم إياهم) .
ففي هذا الحديث أنَّ طاعة هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التشريع كانت عبادة لغير الله وشركًا أكبرًا مخرجًا من الدين ..
ولذلك بَوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه: (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) لهذه الآية بقوله:"أنَّ من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله".
2)ومن الأدلة الصريحة على ذلك أيضًا ما رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} أنَّ ناسًا من المشرِّكين كانوا يجادلون المسلمين لأنهم لا يأكلون الميتة، فقالوا: الشاة تُصبح ميتة من قتلها؟ قال المسلمون: الله. قال المشرِّكون: ما قتل الله، أو ما ذبح الله بسكينٍ من ذهب حرام - يعنون الميتة - وما ذبحتم أنتم بسكيٍن من حديد حلال؟ فأنزل الله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} .
فهذا حكمٌ صريحٌ واضحٌ من جبار السموات والأرض بأنَّ مُتبع التشريعات الوضعية ولو في قضيةٍ أو مسألةٍ واحدةٍ أنَّه مشركٌ بالله تعالى قد اتخذ غير الله ربًا، وإنْ لم يسجد له أو يُصلي أو يركع، وأنَّ الطاعة في التشريع عبادةٌ يجب توحيدها لله عز وجل، ومن صرفها لغير الله تعالى فقد عبد غير الله.
وإذا عرفتم هذا وظهر لكم أنَّ من الكُفر البواح، والشرك الواضح المستبين اتخاذ غير الله مشرِّعًا، سواء كان هذا المشرِّع عالمًا أو حاكمًا أو نائبًا أو شيخ عشيرة؛ وعلمتم أنَّ الله تعالى قد حكم على الشرك في كتابه فقال: {إنَّ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يُشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا} .