فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 1052

والثبات على المنهج دليل على سلامته، وداع إلى ثقة الخلق به واتباعه، وهو ثمن أو ضريبة النصر ومطية الظفر والطريق الموصلة إلى العز والرفعة والتمكين.

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .

يقول سفيان: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) .

والثبات طريق لتحقيق الأهداف العظيمة والغايات العلية، فالمسلم الذي يسعى لتعبيد الناس لرب العالمين وإخراجهم من عبادة العباد، ويتطلع لرفعة دينه، وإعلاء رايته لا غنى له عن الاستقامة والثبات .. فقد كانت وصية رسول الله لأصحابه: (قل آمنت بالله ثم استقم) .

والثبات يدعو إلى مزيد من الثبات؛ فثبات العلماء على دينهم وعدم تراجعهم أمام المغريات والضغوط والابتلاءات يدعو الناس إلى الاقتداء بذلك والثبات عليه .. والتراجع ولو بخطوة تعقبه خطوات وتراجعات لا حصر لها ..

يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى ورفع منزلته - عند هذه الآية بعد أن ذكر محاولات المشركين لمساومة الرسول صلى الله عليه وسلم على كثير من أمور دينه ودعوته ومن ذلك ترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم إلى غير ذلك .. يقول ما ملخصه .. هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائمًا، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلًا عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثير. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينًا. فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة .. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت