فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 1052

والتحشيد له مشروعًا ومن التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .

-ومما أستدل به أيضًا فعل أهل المدينة لما سمعوا برجوع جيش مؤتة حيث احتشدوا في الجرف حتى تلقوا الجيش ينكرون عليه ما ظنوه فرارًا وجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار أفررتم في سبيل الله! ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم تجمعهم واحتشادهم لإنكار ما ظنوه منكرًا والتعبير عن سخطهم على ما ظنوه من فرار الجيش وإنما الذي يروى أنه بيَّن أن الجيش لم يكونوا من الفرار بل هم الكرار إن شاء الله تعالى، ففيه أن تجمهر المسلمين واحتشادهم لإنكار منكر أو التنديد بباطل مشروعٌ غير ممنوع.

-ومثله: استغلال الداعية الحشودَ المناصرة له والاستفادة من زخمها وقوتها ومطالباتها بحق له أو برفع الظلم عنه أو عن إخوانه المسلمين، حتى وإن كانت تلك الحشود أو بعضها على غير دينه أو كانت دوافعهم في ذلك دوافع جاهلية عشائرية أو ديمقراطية أو إنسانية أو أخلاقية فكل ذلك لا حرج عليه فيه ما دام هو لا يشارك في شيء من الباطل أو يرتكب مخالفة شرعية أو يثني على تلك المنطلقات المخالفة أو يتنازل عن حق أو يركن إلى باطل يدل عليه قوله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} قال المفسرون: آواك إلى عمك الكافر، وكان بنو هاشم ينصرونه -صلى الله عليه وسلم- وكثير منهم يتحزب له ويتعصب ويغضب له وهم ليسوا على دينه وما ضره ذلك، ومثله قوله تعالى عن نبيه شعيب أن قومه قالوا له: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} ورهطه كانوا كفارًا.

-ومثله استغلال الداعية للحشود والتجمعات سواء كان له دور في تحشيدها أم لا، وقد تكون احتشدت لمناسبة دينية أو احتفالية أو تجارية أو نحوها ليستغل ذلك لإظهار دعوته والبراءة من الشرك وأهله على مسمع ومشهد أكبر عدد من الناس. فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغل التجمعات التي تحصل في مناسبات شتى لتبليغ دعوته والبراءة من الأوثان وتسفيه عابديها، فكان يأتي الناس في منازلهم في الحج بمنى وغيرها ويأتيهم في تجمعات تجارتهم ومواسمها في عكاظ ومجنة وذي المجاز.

-ومن جنسه: طلب الغلام في قصة أصحاب الأخدود أن يُجمع الناس ويُحشدوا في صعيد واحد حين دلَّ الملك الكافر على طريقة قتله بأن يأخذ سهمًا من كنانته ويقول: باسم الله رب الغلام، فآمنت الحشود وثبتت على إيمانها وانتصر الإيمان ووقع ما كان يخشاه الملك من متابعة الناس للغلام ولدينه.

-ومنه قول موسى لفرعون لما قال له فرعون: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} ويوم الزينة هو يوم عيد لهم كما ذكر المفسرون، اختاره موسى كموعد للمناظرة العلنية ليشهده أكبر جمع من الناس والحشود، فلا حرج على الداعية في استغلال مثل هذه الحشود واختيار المناسبات التي تكثر فيها الحشود لنشر دعوته والتعريض على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت