ومن جهة أخرى فأنا لم أقل (وإن لم تبلغه الحجة من جهة نذارة الرسل فيما قد خالف فيه؛) أهـ. وإنما قلت: (وإن لم يأته نذير) ، كما أوردت بنفسك في نقولاتك عني، وفرق بين هذا وبين من لم تبلغه نذارة الرسل عموما، ولذلك فقد أكدت ذلك وبينته في أكثر من موضع بقولي: (وإن لم يأته نذير خاص) . وقد نقلت من كلامي في رسالتك أشياء من هذا البيان أنظر ص (4) حيث نقلت قولي: (وأن النصوص قد أثبتت أن هناك من يعذب في الآخرة لموته على الشرك الأكبر، وعدم تحقيقه للتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وإن لم يأته رسول خاص، إذ أن هذا الأصل بعث به الرسل كافة، وأنزلت به الكتب كلها، واتفقت وتواترت عليه الشرائع) أهـ.
وتأمل قولي (أن هناك من لم يعذب) فليس هذا تعميم ولا إطلاق، بل هو تبعيض ذكرت صورته بقولي (وإن لم يأته رسول خاص، إذ أن هذا الأصل بعث به الرسل كافة) .
لكنك لم تعول على ذلك؛ بل جعلت كلامي في باب العذر بالجهل مضطربا بسبب أمثال هذا البيان.
كما أنني لم أزعم؛ أن كل من أشرك أو كفر فإنه كافر ومعذب في الآخرة لأنه (محجوج من جهة حجة الآيات الكونية الدالة على الخالق عز وجل، وحجة الفطرة، وحجة الميثاق الذي أخذه الله من ذرية آدم ـ يوم أن خلقه ـ وأشهدهم على نفسه عز وجل بالوحدانية .. !) وحسب، كما ذكرت في تلخيصك الذي جعلته مفاد كلامي أعلاه.
فقد قلت في عقيدتنا في باب الكفر: (ونؤمن بأن الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق، وأنه سبحانه خلق عباده حنفاء فاجتالتهم شياطين الجن والإنس عن دينهم، وشرعت لهم ما لم يأذن به الله، وأن المولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أوينصرانه أو يمجسانه أو يشركانه. ولذلك نعتقد أن كل من دان بغير دين الإسلام فهو كافر. سواء بلغته الرسالة أو لم تبلغه، فمن بلغته فهو كافر معاند أو كافر معرض، ومن لم تبلغه فهو كافر جاهل، فللكفر دركات، كما أن للإيمان درجات، ومع هذا فلم يكتف الله تعالى بحجة الميثاق والفطرة على عباده، فأرسل إليهم الرسل يذكرونهم بالميثاق الذي أخذه الله عليهم، وأنزل عليهم كتبه وجعل آخرها كتابه المهيمن عليها(القرآن الكريم) ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحفظه من التبديل، وجعله حجة بالغة واضحة قائمة على كل من بلغه، فقال: (( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرآنُ لأُنْذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) ) [الأنعام: 19] ، فدين الله في الأرض والسماء واحد)
وقد نقلت بنفسك كلاما واضحا لي حول ذلك ص (3) من رسالتك، وهو قولي بعد أن سقت بعض الأحاديث الدالة على تعذيب من مات على الشرك قبل بعثة النبي صلى الله