فهرس الكتاب
وهذا كلّه من تدبير الله تعالى لهذه الدعوة .. وصدق الله {وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين} .
فقد كان لهذا الاعتقال وكيد أعداء الله في تضخيم القضيّة والضجّة الإعلامية التي افتعلتها أجهزتهم إظهارًا لدعوتنا وتسريعًا لنموّها وانتشارها بفضل الله تعالى .. وكم لله من سننٍ في الضرّاء لا توجد في السرّاء.
فقد ربط الله على قلوبنا ووفّقنا سبحانه منذ اللحظة الأولى من اعتقالنا بالصدع بدعوتنا المتضمّنة لبراءتنا من طواغيت الحكم ومن قوانينهم وأربابهم المشرّعين .. فواجهناهم بذلك صراحة دون مداهنة أو مداورة .. وكان لهذا الموقف الذي طوّرناه فيما بعد في السجون والمحاكم خطابة وكتابة وتدريسا، أثره البالغ في اغتياظ أعداء الله واشتداد حقدهم على كلّ من كان يعرفنا أو يحوز كتاباتنا أو يتّصل بنا من قريب أو بعيد ..
ولذلك مكث إخواننا في زنازين المخابرات الانفرادية التي مُنع أكثرهم فيها عن الاتّصال بالعالم الخارجي لمدد لم يمكثها من قبلهم في هذا البلد إلا القليل، حيث وصلت مع بعضهم إلى سنة بكاملها، وأقلّهم مكث 6 شهور .. ذاقوا فيها أصنافًا من العذاب المعنويّ والجسديّ الذي تفنّنت السلطة فيه، مما اضطرّها إلى إخفاء كثير منهم عن أعين المنظّمات الدولية التي تزور السجن في أوقات متفرّقة .. وهي تجربة فريدة مباركة، كان لها الأثر في زيادة صلابة الكثير منهم ..
ثم أُخرجنا من الزنازين وأُحلنا إلى السجون، حيث بعثوا بي إلى سجن في شمال البلاد «سجن قفقفا» ، وبعثوا بأغلب الإخوة الباقين إلى السجن المركزي في جنوبها «سجن سواقة» ، وذلك طمعًا منهم في التفريق بيننا وإضعاف صفّنا ودعوتنا .. {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} .. فما أن وطأت رجلي ذلك السجن، وخرجت من عزلة الشهور الماضية، حتّى باشرت بالدعوة التي كنت متعطّشًا إليها، فقمت بكتابة بعض المنشورات كسلسلة سمّيتها «يا صاحبي السجن ءأربابٌ متفرّقون خير أم الله الواحد القهّار» ضمّنتها موضوعات متفرّقة حول التوحيد، وملّة إبراهيم، والعبادة، والشرك، ولا إله إلا الله ونواقضها وشروطها ولوازمها، وسعيت في نشرها بين السجناء ..
وكان من بينهم من أخرجها معه من السجن عند الإفراج عنه وقام بنشرها خارج السجن ممهورة باسمي معنونة بسجن «قفقفا» ممّا أغاظ أعداء الله، وقام بعض أولئك