فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 1052

الدعوة، لكن عندما كان الأمر يتعلّق بالدين كأن يُسبّ دين أخ منهم أو تحلق لحيته كنّا نتّخذ إجراءات سريعة تتمثّل غالبًا بالتجمهر على أبواب السجن وعصيان الأوامر ورفض الانصياع لتعليمات السجن بالعدد اليومي، ونرفض الدخول إلى المهاجع مساء، ونقوم بإيصال رسالة شفويّة أو مكتوبة نخوّف الإدارة فيها ونذكّرها بالله، ونحذّرها من الاستهتار بديننا أو التعرّض لما يمسّه. وكانت تجري بيننا وبينهم مفاوضات واتّفاقات على ذلك، وكنّا نؤكّد عليهم دائمًا في مقابلاتنا معهم بأنّنا لا نبالي بالعقوبة المتمثّلة بالإفراد بالزنازين ونقبل بمثلها لمن يريدون عقوبته من إخواننا، أمّا التعرّض لديننا فلن نسكت عليه بحال ولن نرضى به: فقد سجنّا لأجل ديننا، ونحن مستعدّون للموت في سبيله .. وقد أسمعناهم هذا مرارًا .. إلى أن تعارفت إدارة السجن معنا على ذلك فلم يكونوا يتعرّضون لدين أحد من إخواننا حتّى وإن كان ممّن هداه الله في السجن من أصحاب القضايا الأخرى .. وذلك بعد صدامات عديدة جرت مع عساكر السجن، وصلت في بعض الأحيان إلى درجة استعمالهم الغاز ومحاولتهم اقتحام السجن علينا، وكان الله تعالى يصرف كيدهم عنّا ويزيدنا عزّة، وهذا كلّه من فضل الله تعالى الذي جعل لأوليائه هيبة في صدور أعدائه ..

وفي آخر الأمر فوجئت بنقلي إلى سجن المخابرات العامّة في عمّان، وذلك قبل خمسة شهور من تاريخ اليوم ..

وجرى معي تحقيق حول نشاطاتنا في السجن وحول زوّارنا من الشباب وعن كتاباتنا وكيفيّة خروجها من السجن وعن أمور كثيرة متعلّقة بأوضاع السجن وإخواننا في الداخل والخارج .. واستعمل معي أسلوب التهديد تارّة بأن قالوا بأنّني سأمضي مدّة محكوميّتي وهي خمسة عشر سنة في زنازينهم ولن يرجعوني إلى السجن المركزي .. وتارة عرضوا عليّ البراءة من كتبي وتحذير الشباب من دعوتي مقابل الإفراج عنّي .. ولا أدري أكانوا جادّين في هذا العرض أم هو مجرّد جسٍّ للنبض. وعلى كلّ حال فقد ثبّتنا الله بكرمه ورددنا ذلك في وجوههم، وصرّحنا بأنّنا لا زلنا رغم السجن وزنازينه وضيقه على عقيدتنا نبرأ إلى الله منهم ونكفّر أربابهم المشرّعين .. فتمّت إعادتي إلى السجن المركزي بعد خمسين يومًا، حيث فوجئت أنا وجميع الإخوة بعد ذلك بأقل من شهر، بنقلنا إلى سجن صغير في منطقة البلقاء، حيث تم إفرادنا نحن أصحاب القضايا الإسلامية عن سائر السجناء والسجون ..

وكان هذا هو خلاصة مكرهم، وآخر مخطّطات خفافيش الدجى الذين حرقت عيونهم أنوار دعوة التوحيد وضاقوا بها ذرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت