فهرس الكتاب
ومن ذلك العمل عند الطواغيت ولو في وظيفة ليس فيها منكر، فهذا هو الأطيب والأفضل والأكمل للموحّد الذي يدعو الناس إلى الكفر بالطواغيت والبراءة منها واجتنابها ..
أما من حيث الحكم الشرعي في العمل في عموم وظائف هذه الحكومات الكافرة، فلا نقول إنه كله كفر ولا كله حرام .. بل فيه تفصيل. وفي ذلك حديث رواه البخاري في صحيحه في كتاب الإجارة باب: (هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب؟) .
عن خباب رضي الله عنه قال: كنت رجلًا قينا، فعملت للعاص ابن وائل، فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا. قال: (وإني لميت ثم مبعوث؟) قلت: نعم. قال فإنه سيكون لي ثَمَّ مال وولد فأقضيك. فأنزل الله تبارك وتعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتينّ مالًا وولدًا} [1] . وهذا كان في مكة وهي آنذاك دار حرب، ونزلت في شأنه هذه الآيات واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأقره ..
قال ابن حجر في الفتح: (ولم يجزم المصنف بالحكم - أي الجواز - لاحتمال أن يكون مقيدًا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين، ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه) . ثم نقل عن المهلّب قوله: (كره أهل العلم ذلك - أي العمل عند المشركين - إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين) اهـ [2] .
ثم نقل جواز العمل عند أهل الذمة في حوانيتهم، وأهل الذمة هم الذين يعيشون في دار الإسلام خاضعين لحكمه ويعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ..
والخلاصة أن يقال إنه يكره العمل عند المشركين إلا لحاجة أو ضرورة، وبشرط أن لا يكون في عمله نوع معصية لله تعالى، ولا يقال إننا نحرم كل عمل أو وظيفة، بل ما كان فيه نصرة أو تثبيت لقوانينهم وتشريعاتهم الباطلة وتواطؤ معهم عليها فهو كافر .. وما كان فيه معصية فهو حرام .. وما لم يكن من هذا ولاذاك فلا نقول فيه إلا بالكراهة، وإنما قلنا بالكراهة خوفًا من أن يتسلطوا على المسلم ويمنعوه حقه إلا أن يُطاوعهم بما يحبون ويهوون، كما طلب الكافر من الصحابي خباب - رضي الله عنه - ومنعه أجره. وخوفًا من أن يحصل نوع ألفة ومودة مع طول الخلطة بالكافر ومجالسته فتتميع قضية الولاء والبراء والحب والبغض في الله، وقد رأيتَ كيف أن خباب حين كان يعمل عند الكافر كان عزيزًا مُظهرًا لدينه ولم
(1) مريم: 77.
(2) فتح الباري: 4/ 452.