فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 1052

وأهله ويظهر فيه براءته من الطاغوت وكفره بباطله .. أو بالخروج من ذلك الموضع وتلك الوظيفة واجتنابها فور أن يهديه الله إلى معرفة الحق والهدى والنور.

وفيهم الكاذب الذي يدّعي أنه يعمل لدين الله وهو في الحقيقة يعمل لجيبه وكرشه، فيبيع توحيده وأوثق عُرى الإيمان بثمن بخس دراهم معدودة، وما أشبه هؤلاء بمن قال الله فيهم: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} [1] .

ولقد كان من هذا الصنف الأخير أناس جلسوا في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقعدوا عن الهجرة والخروج من صف الكفار إلى صف الموحّدين، مشحّة بالوطن والمسكن والمال وبُخلًا بذلك عن الدين .. مع أن أرض الله واسعة وكان بإمكانهم الخروج واللحاق بصفوف الموحّدين لو أرادوا .. لكنهم تخلفوا وتثاقلوا إلى الأرض، فلما كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان أخرجهم المشركون في جيشهم كرهًا وجعلوهم في مقدمة الصفوف فكان المسلمون إذا رموا قتلوا بعض أولئك .. فأنزل الله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [2] . فوصفهم الله بالظلم لأنفسهم .. إذ من أعظم ما تظلم به النفس أن تحرم من رفقة الموحّدين ونصرتهم واللحاق بصفوفهم والبقاء بين أظهر المشركين أو في صفوف المرتدين. ثم ذكر الله تعالى لنا سؤال ملائكته لهم: {قالوا فيم كنتم؟؟} أي في صف مَنْ كنتم؟ وفي جند مَنْ كنتم؟ وفي جيش مَنْ كنتم؟؟ أفي جند الطاغوت وجيشه، أم في جيش الموحّدين وجندهم؟؟ وهؤلاء لم يكونوا في صفوف الموحّدين ولا انضموا إلى جيشهم ولا انحازوا إلى جندهم، بل الحقيقة المرة أنهم ماتوا في جيش الطاغوت .. ولذا فقد عرفوا أن الجواب عن مثل هذا السؤال ليس في صالحهم أبدًا .. ولذلك حادوا عنه ولم يُجيبوا عنه، بل احتجوا كما يحتج كثير من المفتونين اليوم بالاستضعاف ونحوه من الضرورات والإكراهات الكاذبة .. فقالوا: {كنا مستضعفين في الأرض} وكذلك يُجيب كل مفتون ممن زجوا بأنفسهم في جيوش الطواغيت، فإنهم يتعذرون في الغالب بالضرورات وبالرزق أو المسكن أو الزوجة أو الوالدين أو الولد ونحوه من متاع الحياة الدنيا وغرورها مع أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأبواب رزقه سبحانه واسعة ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ولذا ترد عليهم الملائكة حجتهم الداحضة هذه فتقول: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} [3] . فتأملوا إخواني هذه المحاجّة المخيفة في ذلك الموقف العظيم، وتأملوا

(1) النحل: 107.

(2) النساء: 97.

(3) النساء: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت