فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 1052

تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] . ولا يجوز ولا يصح أن يشاركه أحد في التشريع، إلا أن يكون قد شاركه بالخلق! فإذا كان هذا محالًا، لم يجز ذاك بحال.

ثم فطر الناس على توحيده كما في حديث (ما من مولود إلا يولد على الفطرة وفي رواية(على هذه الملّة) فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .. ) وفي رواية لمسلم وغيره (أو يشرّكانه) وخلقهم حنفاء أي مائلين عن الشرك تأباه فطرهم، كما في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم .. )

وأخذ عليهم قبل ذلك الميثاق لمّا استخرجهم من صلب أبيهم آدم فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف:172 - 174] .

ثم لم يكتف الله تعالى بهذا, بل بعث سبحانه الرسل مبشرين ومنذرين، مذكرين بذلك الميثاق، داعين إلى التوحيد، محذّرين من الشرك: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] عليهم السلام جميعهم بعثوا بهذا الأصل الأصيل فما عاد يخفى إلا على معرض.

وأنزل كتبه على عباده لأجل ذلك، وجعل آخرها القرآن، وعصمه سبحانه من التحريف، وجعله حجة على العباد، فمن بلغه فقد وصلته النذارة، وقامت عليه الحجة .. قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19] ، هذا على وجه العموم .. فكيف بأهم وأخص خصوصيات الدين وأعظم أصوله .. أعني التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد .. فالقرآن كما يقول العلماء من أوله إلى آخره، إما دعوة إلى التوحيد، أو تحذير مما يناقضه من الشرك .. وإما بشارة للموحدين أو نذارة ووعيد للمشركين.

فأعرض أكثر الناس عن هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي فيه فلاحهم ونجاتهم.

أعرضوا عنه، وتساقطوا في أخطر ما حذرهم منه، حين تهافتوا في الشرك، أعظم مفسدة في الوجود، فتكالبوا على نخالات ونحاتات وأهواء الكفرة الملحدين .. واستبدلوا زبالات أفهام المشرعين المشركين، بأطهر وأعظم وأكمل وأعدل تشريع في الوجود! فأي بغي وأيّ جحود، وأي ظلم للناس وللأنفس أشد من هذا؟! ولذلك قرر العلماء المحققين بأنه لا يعذر الجاهل في هدم أصل التوحيد، ومقارفة الشرك الأكبر باتخاذ آلهة وأرباب مع رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت