فهرس الكتاب
فكيف بمن ادعى لنفسه شيئًا من صفات الألوهية، فنصب نفسه مشرعًا يشرع للناس من الدين ما لم يأذن به الله؟
فأي جهل يجوز أن يذكر هنا مع وضوح الحجج وبلوغ النذارة، إلا جهل الإعراض الذي نعت الله به المشركين؟ قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:64 - 65] . وقد بسطنا هذا الباب في غير هذا الموضع.
وكذلك القول في التأويل .. فأي تأويل يسوغ، في ادعاء الألوهية أو بعض صفاتها؟ أو مع اتخاذ غير الله ربًا و مشرعًا؟ أو ابتغاء غير شرعه دينًا ومنهجًا؟ فقد نص العلماء على عدم قبول دعوى التأويل في الكفر الصريح وهل خلا شرك المشركين على مر العصور، من تأويل فاسد؟ بل هل خلت جعبة فرعون من تأويل كتأويلات القوم الفاسدة؟ فإن عذر هؤلاء الخوالف بالتأويل!! فعلام لم يعذر الأولون؟ {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر:43] .
والخلاصة هنا .. أننا لا نرى مانعًا من تكفير من ادعى الألوهية أو بعض صفاتها .. أو أظهر الشرك الأكبر. إلا أن يصدر عنه شيئا من ذلك على سبيل انتفاء القصد (الخطأ) أو الإكراه ..
أما انتفاء القصد: فهو أن يريد بقوله أو فعله حقًا أو معروفًا أو خيرًا أو مباحًا، فيخطئه من غير قصد منه أو تعمّد، كما في حديث الرجل الذي أضل راحلته وعليها متاعه وسقائه، فأيس من النجاة وأيقن الموت .. فلما ردها الله عليه .. قال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك!) أخطأ من شدّة الفرح. وشتان بين هذا الذي أراد أن يحمد الله ويشكره ويثني عليه فأخطأ لسانه، فخرج منه ما لا يريده أو يقصده من شدّة الفرح، وبين ما يمارسه ويفعله المشركون ويتعمدونه ويجتهدون فيه ويتنافسون، عن قصد و إرادة جازمة، من التشريع والشرك البواح الصراح، وابتغاء غير دين الله وشرعه!
فالمخطئ المعذور .. هو الذي ينزع عن خطئه فور تنبهه ويستغفر ويقلع .. أما هؤلاء المشركون فهم عامدون قاصدون للتشريع، وفق نصوص الدستور، مصرون على ذلك الشرك الصراح المتقدم، مقيمون على انحرافهم ليل نهار .. يفتخرون به ولا يندمون أو يخطئون أنفسهم أبداّ .. فهم في غيهم سادرون.
كذلك الإكراه .. فإن ذكره هنا من الأمور المضحكة .. فهو يقينًا منتفى في حق هؤلاء المباشرين للتشريع .. فمن ذا الذي يكرههم على النيابة عن الناس في هذا العمل الكفري .. بل الواقع المشاهد الذي يعرفه الصغير والكبير والجاهل والعالم، أنهم يتنافسون ويتكالبون على هذا المنصب الشركي، ويستميتون في سبيل إحرازه وتحصيله، فيحشدون طاقاتهم وأموالهم، ويبذلون جهودهم، ويستنفرون