فهرس الكتاب
وكذلك لا نكفر من غُرّر به، فشارك فيها ظنًا منه أنها مجالس وظيفتها تقديم الخدمات للناس، كما هو في ظن كثير من العوام الذين يختارون أقاربهم أو معارفهم لأجل ذلك.
ونحن هنا لم نعذر بالجهل في باب الشرك الأكبر .. وإنما بالجهل بحقيقة هذا المجلس .. ومن ثم فهذه المسألة عندنا من باب (الخطأ) أو انتفاء القصد .. كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة286] . قال الله تعالى كما في الحديث القدسي: (نعم) أو (قد فعلت) . والصورة أن العامي أو الجاهل إن علم حقيقة هذه المجالس على ما تقدم وأنها مجالس تشريعية، وتواطأ مع أهلها على دينها الكفري فأقرهم على أن لهم الحق في التشريع المطلق، أو اختارهم كمشرعين وفقًا لنصوص الدستور، فهو مشرك عندنا، وإن لم يعلم أن الطاعة في التشريع كفر، فنحن لا نعذره بالجهل في هذا الباب .. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذر المذكورين في آية التوبة، كما في حديث عدي لما خفي عليهم أن الطاعة في التشريع عبادة .. لكن كثيرًا من العامة، سواء أكانوا شيوخًا أم عجائز أم غيرهم، لا يعرفون حقيقة هذه المجالس التشريعية الكفرية .. ولا يختارون أو يشاركون في الانتخاب فيها على سبيل اختيار الأرباب المشرعين .. وإنما يفعلون ذلك على سبيل اختيار من ينوب عنهم في حل مشاكلهم وخدمتهم أو خدمة مناطقهم.
هذا هو قصد ومراد كثير منهم، وهكذا يتصورون اللعبة ويمارسونها .. فمن كان عنده أصل التوحيد منهم وكان كافرًا بالطاغوت وشرعه .. وشارك في الانتخاب على هذا الظن والقصد، قلنا: أن ظاهر عمله الكفر، لأننا لا نعرف ما يقصد إلا أن يصرح، كما أن من قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) ظاهر قوله عندنا الكفر .. مادمنا لا نعرف أنه مخطئ لا يقصد ذلك .. ونقول: بأنهم قد ارتكبوا عملًا من الأعمال المكفرة بمشاركتهم في الظاهر باللعبة الديمقراطية التي تجعل الحاكمية للجماهير لا لله .. ولكن لأن أحوال الناس فيها الالتباس المذكور .. فنحن لا نبادر إلى تنزيل الكفر على أعيان هؤلاء العوام، حتى نعلم أن الواحد منهم قصد اختيار المشرعين وأنه يعلم حقيقة ما يختاره .. وإلا لم يكفرّ حتى يبيّن له حقيقة هذه المجالس التشريعية، فإن أصر بعد ذلك لم نتحرج من الحكم على عينه بالكفر .. وكذلك من قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) نقول له: قد قلت كلمة الكفر .. فإن راجع واستغفر وقال: قد أخطأت وإنما كان قصدي الثناء على الله وحمده .. ولم أقصد ما سبق إليه لساني .. لم نكفرّه.
وإن أصر ولم يقلع ويستغفر، كفرّناه .. وكان قوله كقول فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] .
بخلاف من قصد إناطة السلطة التشريعية بنفسه أو بغيره .. وتعمد ذلك وسعى إليه سعيًا .. فإنه يكفر فورًا لأنه عامد إلى عمل الكفر، قاصد إلى اختياره غير مخطئ .. وانتفاء القصد، قد ينطبق أيضًا على كثير من الجهال والعوام الذين يغرر بهم بعض النواب المشرعين الملتحين! حين يلبسون الحق بالباطل،