فهرس الكتاب
اليهود قالوا: (كنا إذا زنا فينا الشريف تركناه وإذا زنا فينا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع فأجمعنا على التحميم والجلد) أي بدل الرجم.
قلت: فمن اجتمع معهم على هذا التشريع كفر وإن لم يقترف الزنا .. كما هو واضح.
بل مجرد أن يقر ويعترف المرء أو يدين بأن لهؤلاء النواب أو الحكام حق التشريع، كما قد نص دستورهم فهذا كفر بواح وشرك صراح.
وعلى كل حال فالمشرع أو الطاغوت، لا يلزم أحدًا بشرب الخمر أو أكل الربا .. ففعل ذلك عنده حرية شخصية!! وإن كان يحرس مصانع الخمور وصروح الربا ويرخص لها ويشرع لعملها ولصنعها وبيعها، فأن أهم ما يهمه ويريده من الناس؛ أن يحترموا تشريعه وقانونه ودستوره، وأن يُقروا له ولشركائه بحق التشريع، وأن ينيطوا السلطة التشريعية بهم .. وكفى بذلك كفرًا و شركًا مبينًا.
ومما تقدم تعرف أيضًا خطأ من يبادر بتكفير من يستعين بشفاعات هؤلاء النواب أو غيرهم من المشرعين أو الطواغيت أو أعوانهم، أو يلجأ إلى وساطاتهم في أمور الدنيا كإطلاق أسير أو فكاك عانٍ أو دفع مظلمة أو التوصل إلى حق، فنحن وإن كنا نكره اللجوء إلى هؤلاء المشركين .. ونحب وندعوا دومًا إلى قطع العلائق معهم، وإظهار البراءة الكاملة منهم ومن مناصبهم الكفرية والتشريعية، وإبداء بُغضهم ومباينتهم، وننهى عن الإستعانة بهم إلا لضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات، إلا إننا لا نكفر من استعان بهم أو لجأ إليهم في شيء من أمور الدنيا .. دون أن يُقرهم على باطلهم أو يُنيبهم و يتواطأ معهم على شركهم، أو يقع في شيء من كفرهم.
هذا ما لزم التنبيه إليه في هذه المسائل التي عمت بها البلوى، وأعلم أنني قد أسهبت في بعضها، مع أن السائل قد أوصانا باختصار الإجابة تسهيلًا لتعميمها ونشرها وتداولها وما ذلك إلا لخطورة هذه الأبواب، وحرصًا منا على تحذير الأمة من هذه الدواهي التي دهتها.
فإن جادلك بعد هذا كله، مجادل، فقال لك: فما البديل؟
فقل له: البديل لمن حقق التوحيد واجتنب الشرك المحبط للأعمال المخلّد في النار، جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين, {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185] أوَتريد أعظم من هذا البديل؟.
أما الدعوة والسبيل إلى إرجاع أمجاد الأمة وتحكيم شرع الله فلا يكون بالوسائل الشركية المحرمة، فإن ما عند الله لا ينال بمعصية .. ونصر الله لا ينال بالإشراك به، وأعظم المصالح والضرورات في ديننا وفي